
2026-04-05 21:51
لم يكن من المفترض لهذه الحرب أن تطول. هكذا دخلها أطرافها، كلٌّ بثقة عالية في أن أدواته كفيلة بفرض الحسم خلال وقت قصير. غير أن ما بدا في البداية مواجهة محدودة بزمن محسوب، تحوّل إلى حرب مفتوحة تجاوزت توقعات الجميع، واستنزفت قدراتهم بدرجات متفاوتة. والتفسير الأكثر إقناعًا لهذه المفارقة لا يكمن في موازين القوة بقدر ما يكمن في تلاقي أخطاء في التقدير دفعت كل طرف إلى المضي في استراتيجية لا تُنهي الحرب بل تُطيلها.
ومع ذلك، لا يعني الحديث عن أخطاء متعددة تجاهل اختلاف موقع كل طرف في بداية هذه الحرب. فقد شكّلت العملية الأميركية نقطة الانطلاق الأساسية للتصعيد، بينما جاء التحرّك الإيراني لاحقًا في إطار الرد على هذه العملية. غير أن هذا الرد، بدوره، لم يخلُ من حسابات خاطئة وخيارات ساهمت في تعقيد مسار الحرب وإطالة أمدها.
في هذا السياق، يمكن فهم الخطأ الأميركي بوصفه ناتجًا عن رهان رافق قرار الانخراط في عمل عسكري، قام على افتراض أن الضغط العسكري والاقتصادي سيُفضي سريعًا إلى تصدعات ثم انهيارات داخلية في إيران. هذا الافتراض استند إلى قراءة نمطية تفترض أن المجتمعات الواقعة تحت ضغط شديد تميل إلى التمرّد على أنظمتها. غير أن هذه القراءة أغفلت ثلاث حقائق أساسية: الطبيعة العقائدية للنظام الإيراني، التي تضع صمود النظام وبقاءه فوق أي كلفة تقع على البلد والمجتمع؛ وأثر التهديد الخارجي في تعزيز التماسك الداخلي بدل تفكيكه؛ وأخيرًا القدرة القمعية العالية التي تجعل كلفة المعارضة في زمن الحرب باهظة إلى حدٍّ يردعها. لذلك، لم تكن النتيجة انفجارًا داخليًا، بل تماسكًا نسبيًا سمح للنظام بامتصاص الضغوط والاستمرار، ما أسقط رهان الحسم السريع.
أما على الجانب الإيراني، ورغم أن التحرّك جاء في سياق الرد، فقد انطوى على سلسلة من الحسابات الخاطئة التي حدّت من فعاليته، بل وأسهمت في تعقيد مسار الحرب. فقد راهنت طهران على أن رفع كلفة الحرب سيُجبر خصومها على التراجع السريع، واعتمدت في ذلك على استراتيجية الضغط على الاقتصاد العالمي من خلال استهداف بيئة الطاقة الحيوية وتهديد الملاحة. إلا أن هذا الرهان أغفل حقيقة بنيوية في الاقتصاد العالمي: الكلفة لا تتوزع بالتساوي. فالولايات المتحدة، بحكم بعدها وقدرتها على امتصاص الصدمات، فضلًا عن كونها منتجًا مهمًا للطاقة، كانت أقل الأطراف تضررًا نسبيًا، بينما وقع العبء الأكبر على اقتصادات أخرى مثل الصين والهند واليابان وأوروبا، التي ليست صاحبة القرار في إنهاء الحرب. وهكذا، ضعف الأثر السياسي للأداة الاقتصادية رغم ارتفاع كلفتها.
ومن أبرز تجليات هذا الخلل توسيع دائرة الضغط لتشمل دول الخليج العربية، عبر استهداف منشآتها النفطية أو التهديد بها، رغم أن هذه الدول لم تكن طرفًا مباشرًا في المواجهة. وقد كان هذا السلوك إشكاليًا على مستويين: أولًا، لأنه وسّع نطاق الاستهداف ليشمل أطرافًا كانت في موقع الحياد؛ وثانيًا، لأنه كان خيارًا غير حكيم استراتيجيًا، إذ أسهم في استعداء هذه الدول بدل دفعها إلى الضغط من أجل إنهاء الحرب. والأهم أن الرهان الكامن وراءه، وهو أن ضرب أسواق الطاقة سيُنتج ضغطًا اقتصاديًا حاسمًا، لم يتحقق، نظرًا لطبيعة توزيع الكلفة في الاقتصاد العالمي.
ولم يتوقف سوء التقدير الإيراني عند هذا الحد. فقد افترضت طهران أن تكثيف الضغط العسكري المباشر، خصوصًا عبر الهجمات الصاروخية، سيؤدي إلى إنهاك المجتمع الإسرائيلي ودفعه إلى الضغط على قيادته من أجل إنهاء الحرب. إلا أن هذا التقدير لم يأخذ في الحسبان البنية المتطورة لقدرات الدفاع الجوي، ولا الجاهزية المدنية العالية، ولا الخبرة التراكمية في إدارة حالات الطوارئ. صحيح أن الكلفة كانت حقيقية وكبيرة، لكن القدرة على امتصاصها وإدارتها كانت أعلى مما افترضته الحسابات الإيرانية، ما حوّل الضغط من أداة حسم إلى عامل استنزاف طويل الأمد بلا نتيجة حاسمة.
هنا تتضح المفارقة المركزية: كل طرف دخل الحرب وهو يفترض أن الزمن يعمل لصالحه. الولايات المتحدة راهنت على أن شدة الضربات مع الوقت ستكشف هشاشة الداخل الإيراني، وإيران راهنت على أن الوقت سيُراكم كلفة لا يمكن لخصومها تحملها. غير أن ما حدث فعليًا كان العكس؛ فالزمن لم يُسقط أيًا من الرهانين، بل كشف محدوديتهما معًا. ومع كل جولة إضافية، بدلًا من مراجعة الاستراتيجيات، جرى تعميقها، على أمل أن "الدفعة التالية" من الضغط ستُنتج الأثر المؤجل.
بهذا المعنى، لم يكن امتداد الحرب نتيجة تفوق أحد الأطراف أو عجز الآخر، بل نتيجة منطق متكامل من سوء الإدراك المتبادل، مع فارق مهم في كيفية انخراط كل طرف في هذا المسار. كل طرف أخطأ في تحديد موضع الهشاشة الحقيقي لدى خصمه: واشنطن بحثت عنه في الداخل الإيراني فلم تجده، وطهران حاولت صناعته عبر الكلفة الخارجية من دون أن تُصيب مركز القرار، بل وسّعت دائرة الصراع على نحو أضعف موقعها السياسي. وبين هذين المسارين، تشكّلت ديناميكية إطالة ذاتية، حيث تستمر الحرب لا لأن أحد الأطراف يقترب من الحسم، بل لأن كليهما يعتقد، خطأً، أن الحسم لا يزال ممكنًا بالأدوات ذاتها.
الخلاصة القاسية لهذه الحرب أن الأخطاء في التقدير لا تُوازن بالضرورة بعضها بعضًا، لكنها قد تتلاقى بطريقة تجعل كلفتها مضاعفة. فعندما يُبنى القرار على فهم غير دقيق لطبيعة الخصم، ولتوزيع الكلفة، ولقدرة المجتمعات على الصمود، فإن ما يُفترض أنه طريق مختصر نحو الحسم يتحول إلى مسار مفتوح نحو حرب أطول وأكثر تعقيدًا مما أراده الجميع.