من المبادئ والتفاهمات إلى الاتفاقيات: لماذا ما زالت المنطقة في مرحلة بناء الأرضية؟


Case

2026-06-10 15:12

Copy Link

لا تبدو المنطقة اليوم أمام مسارات تفاوضية منفصلة بقدر ما تبدو أمام مشهد واحد تتعدَّد فيه الساحات وتتقاطع فيه المصالح، فمن بيروت إلى طهران، ومن غزة إلى البحر الأحمر، تدور حوارات سياسية وأمنية تبدو في ظاهرها مستقلة، فيما تكشف وقائع الأحداث وتلاحقها عن شبكة واحدة من الأسئلة المتعلقة بموازين القوى ومستقبل الإقليم وشكل النظام الدولي نفسه، وكأن البحث في مستقبل هذه الساحات، هو في حقيقته بحث عن مستقبل القضية الفلسطينية نفسها، بوصفها العامل الأكثر حضوراً في تشكيل خرائط الصراع وإعادة إنتاجها.

ومن هنا، تكتسب قراءة الورقة الأميركية المطروحة على الساحة اللبنانية معناها الحقيقي عندما توضع ضمن سياقها الأوسع المتجاوز للجغرافيا السياسية اللبنانية؛ تماماً كما يجب فحص المسارات التفاوضية المتعلقة بإيران على خلفية ما أنتجه الصراع بعد السابع من أكتوبر، من تحولات جيوسياسية للفاعلين والمنخرطين على حد سواء.

فالتوقيت الذي طُرحت فيه الورقة الأميركية، وطبيعة المواقف التي صدرت عن الرئيسين عون وسلام، وحراك بعض قوى الإقليم في هذا الملف، فضلاً عن العديد من تصريحات الرئيس ترامب المتناقضة، يؤكد أن الملف اللبناني لا يتحرك بمعزل عن حسابات المنطقة المتداخلة مع حسابات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وهو ما يؤكد أن المشهد برمّته بات يتعلق بمحاولة إدارة شبكة مترابطة من الأزمات، تتغذى من مصادر متعددة، لكنها تعود في جوهرها إلى سؤال الاستقرار الإقليمي وشروطه، وإلى الكيفية التي يمكن من خلالها التعامل مع القضية المركزية المتمثلة في المسألة الفلسطينية، التي أثبتت التجارب أنها تتجاوز كونها ملفاً سياسياً من بين ملفات المنطقة.

من هنا، تبرز أهمية التمييز بين مستويات إدارة الصراع، عبر فهم العلاقة بين المبادئ الحاكمة والتفاهمات المرحليّة والاتفاقات النهائيّة.

فالمبادئ بما تُمثّل من إطار نظري عام، تكمن وظيفتها في تحديد الاتجاهات الكبرى المؤسِّسة لفهم مشترك لطبيعة المرحلة، وهي الصيغة المطروحة على الساحة اللبنانية؛ أما التفاهمات فتمثّل إجراءات عملية أو تفاهمات موضعية تسمح بإدارة التوترات وتخفيض احتمالات التصعيد وفتح قنوات التواصل بين الأطراف المختلفة، وهو الشكل المتناول في إسلام آباد ويخص الملف الإيراني.

في حين أن مفهوم الاتفاقيات يشكل مرحلة أكثر تقدماً وتعقيداً، خصوصاً وأنها تقوم على التزامات واضحة ومتبادلة، وآليات تنفيذ وضمانات ورقابة، كما تحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية تسمح باستمرارها وتحويلها إلى وقائع مستقرة ودائمة، وهو ما لم يتحقق حتى اللحظة، حيث ما زالت الأطراف المختلفة تتبادل الرسائل السياسية، لتختبر إمكانيات التقارب، في بحث دؤوب عن قواعد اشتباك جديدة، بعيدة كل البعد عن الشروط الضرورية لإنتاج اتفاقيات شاملة ونهائية.

وتتجلّى هذه الحقيقة بصورة أوضح في الملف اللبناني، فالنقاش الدائر لا ينطلق من تسوية مكتملة الأركان، وإنما من مجموعة أفكار ومبادئ تشكّل خللاً معيارياً فاضحاً لا يمكن القفز عنه، إذ تهدف هذه الأفكار إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة وتياراتها السياسية، كبديل مفترض عن وضع الحدود الدنيا للعلاقة مع محيطها الأمني والسياسي، في محاولة تبدو يائسة لتخفيف الضغوط التي فرضها حزب الله جراء انخراطه في الحرب الأخيرة على إيران.

أما الجانب الإيراني، فيدير ملفاته الدبلوماسية انطلاقاً من أولوية الحفاظ على نفوذه الإقليمي وإعادة تنظيمه، أكثر مما يديرها بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي يعالج جميع القضايا العالقة دفعة واحدة؛ لذلك ما زالت طهران تتمسك بضرورة شمول الساحة اللبنانية في أي تفاهم محتمل، وبأهمية دمج الفصائل المسلحة في العراق ضمن الخارطة السياسية، مع الحفاظ على الوضع القائم في اليمن، في مقابل تراجع ملحوظ لحضور الملف الفلسطيني في خطابها التفاوضي، وهو ما يشير إلى أن إيران تبحث عن صيغ تسمح بتحويل حلفائها من فواعل عسكرية إلى فواعل سياسية واجتماعية ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.

وفي المقابل، يبدو واضحاً أن البيت الأبيض بزعامة ترامب وفريقه دخل في نفق معقد من المشكلات الداخلية والخارجية، خصوصاً مع تبني مجلس النواب الأميركي مشروع قرار يقلّص من صلاحيات الرئيس، على الرغم من امتلاك الأخير حقّ النقض (الفيتو) على هذا القرار، إلّا أنّ استخدام هذا الحقّ لا ينفي وجود المشكلة من الأساس؛ غير أن الإشكاليات الأكثر تعقيداً تكمن في ملفي الاقتصاد والحلفاء، والأدهى والأمرّ في عدم الموثوقيّة بالقدرة الأميركية على تحويل النتائج العسكرية إلى مخرجات سياسية.

وفي ضوء ذلك، تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة إعادة ترتيب أولوياتها، حيث برزت حاجة مشتركة لم يكن مُقرّاً بها لدى معظم الأطراف، تشير إلى ضرورة صياغة مشروع عربي خاص لإدارة الصراع بكلفة أقل، بحثاً عن مساحات تسمح بتقليل احتمالات الانفجار الواسع، على أقل تقدير في الزمن الراهن؛ غير أن هذه الحاجة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإنتاج اتفاقيات تاريخية، لأن الاتفاقيات الكبرى تحتاج إلى عامل قوة فاعل، أي إلى تحديد ملامح مشروع واضح الأهداف، لمعالجة أسباب الصراع لا لتنظيم نتائجه وحسب، وهو ما يبدو أن بعض قوى الإقليم وعلى رأسها مصر والسعودية باتت تدركه جيدا.

ومن هنا، تكتسب القضية الفلسطينية موقعها المركزي مجددًا، فكل محاولة لفصل الساحات بعضها عن بعض تبقى معرضة للاهتزاز كلما عادت فلسطين إلى واجهة الأحداث، لأن الترابط بين هذه الساحات يتشكل تاريخيّاً حول طبيعة الصراع ذاته، وحول التفاعلات التي أنتجها الاحتلال والحروب المتعاقبة وموازين القوى المرتبطة به، ولذلك فإنّ أيّ مشروع استقرار طويل الأمد يظل بحاجة إلى مقاربة تتعامل مع جذور الأزمة بقدر اهتمامها بإدارة تداعياتها.

وعليه، فإنّ السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بقرب الوصول إلى اتفاقيات كبرى بقدر ما يتعلق بمدى قدرة المبادئ المطروحة والتفاهمات الجاري اختبارها على خلق بيئة جديدة تسمح بالانتقال إلى مرحلة الاتفاق؛ فالفارق بين التفاهم والاتفاق يشبه الفارق بين فتح الباب وعبوره؛ الأول يخلق الإمكانية، أما الثاني فيحتاج إلى شروط سياسية وتاريخية أكثر نضجاً واستقراراً.

لذلك قد يكون الوصف الأدق للحظة الراهنة أن المآلات الكبرى للمنطقة مرتبطة ذاتيّاً وموضوعيّاً بمصير الأسئلة المؤجّلة منذ عقود، وفي مقدمتها السؤال الفلسطيني الذي ما زال، رغم كل التحولات، حاضراً في قلب المشهد الإقليمي والدولي، ما يعني أن كل قوى الإقليم لا تزال تعيش مرحلة بناء الأرضية، لا مرحلة حصد النتائج؛ وهي مرحلة لاختبار الإمكانيات، لا لصياغة التسويات، خصوصاً أن المشكلة في جوهرها لا تكمن في غياب الاتفاقات، بقدر ما تكمن في غياب التأسيس لأرضية مشتركة تجعل من أي اتفاق ممكناً وقابلاً للاستمرار.

>