
2026-07-07 21:45
بعد الحرب الأخيرة على غزة ومذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية دخل الشرق الأوسط مرحلة معقدة من إعادة التشكيل الإستراتيجي، بانتقال المنطقة من حالة الصدام المفتوح إلى إدارة التوازنات والنفوذ وتبدل أولويات القوى الإقليمية، وإعادة تعريف أدوار الفاعلين ما دون الدولة وفي مقدمتها حركة حماس.
أمام هذا المشهد تجد حركة حماس نفسها أمام واقع إقليمي وبيئة سياسية مختلفة عن تلك المرحلة التي نشأت فيها من رحم جماعة الأخوان المسلمين.
وفي ظل هذا الواقع الإقليمي ومع صعود منطق الدولة الوطنية وتصاعد الاعتبارات الأمنية وتراجع مشاريع الإسلام السياسي التقليدي، تجد حركة حماس نفسها أمام إعادة تعريف لموقفها السياسية ووظيفتها وأدوارها الإقليمية، ومن هنا لم يعد السؤال عن علاقة حركة حماس بالأخوان بل بمستقبل الحركة؟ وهل تستمر كتنظيم عقائدي يتحرك ضمن مشروع أيديولوجي عابر للحدود؟ أم تتحول إلى فاعل سياسي فلسطيني تحكمة الجغرافيا السياسية والتوازنات والتفاهمات الإقليمية، ومتطلبات البقاء السياسي يتعامل مع الوقائع الجديدة في المنطقة؟
تغير الخطاب والبيئة الإقليمية
المنطقة تغيرت بعد الربيع العربي مع تراجع مشاريع الإسلام السياسي في عدد من الدول العربية، خاصة بعد سقوط حكم الاخوان في مصر وتنامي القلق الإقليمي من التنظيمات العابرة للحدود والذي دفع العديد من الدول العربية إلى إعادة بناء سياستها على أساس الاستقرار والأمن الداخلي، هنا جاءت الحرب الأخيرة على غزة والحديث عن تفاهمات أميركية إيرانية، لتحدث تحولات كبرى ليس على مستوى القضية الفلسطينية، بل على مستوى إعادة تعريف أدوار القوى غير الدولية في المنطقة، وفي مقدمة كل ذلك تموضع حركة حماس ومستقبلها الذي أصبح مرهونا بخطابها وتحالفاتها لتجد الحركة نفسها من جديد أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على هويتها الفكرية والإسلامية دون أن تتحول إلى امتداد لأزمة الأخوان في المنطقة، وبين التوازنات الإقليمية بعد الحرب ومتطلبات البقاء السياسي.
حاولت حركة حماس خلال السنوات الماضية تقديم خطاب سياسي براغماتي وأكثر واقعية وأقل أيديولوجية لتحاول تقديم نفسها كحركة مقاومة فلسطينية ببعدها الوطني لا كجزء من مشروع الأخوان، وهذا تجلى في الوثيقة السياسية للحركة عام 2017 التي حملت لغة أكثر مرونة عن خطابها التقليدي في محاولة للتكيف مع التحولات الإقليمية، إلا أن الفترة التي أعقبتها ومع تصارع الأجنحة داخل الحركة بين الجناح العسكري والسياسي والداخل والخارج وجدت الحركة نفسها في قلب التجاذبات والمشاريع الإقليمية، تحديدا في إطار محور المقاومة وبهذا انتقلت الحركة من مشروع الأخوان إلى المحور الإيراني، ومع تصاعد الأحداث الميدانية التي أعقبت السابع من أكتوبر والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من تطورات سياسية، وجدت الحركة نفسها أمام واقع أكثر تعقيدا لتعيد إنتاج أزمتها وخطابها الأيديولوجي مرة أخرى بارتباطها بمشاريع عابرة للحدود، بعد أن كشفت الحرب على غزة أنها لم تكن مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحماس بل تحولت إلى جزء من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها الحسابات الأميركية والإيرانية والعربية والإسرائيلية.
لهذا تبقى معادلة حماس وإعادة تموضعها مسألة بالغة التعقيد خصوصا، حساسية التوازنات الإقليمية وشبكة العلاقات الدقيقة التي تحاول إدارتها، في ظل بيئة عربية تتوجس من النفوذ الإيراني والتنظيمات والمحاور الإقليمية الأخرى لا سيما المحور التركي القطري، فالمنطقة اليوم تتحرك بمنطق إدارة التوازنات والتفاهمات ومنع الانفجار الإقليمي مع وجود مؤشرات على تفاهمات أميركية-إيرانية تهدف لضبط الصراع، وعليه، هل سيكون بمقدور حماس التعامل مع الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة في المنطقة.
بين الفاعل السياسي والتنظيم العقائدي
بعد موافقة حماس على خطة الرئيس ترامب ذات العشرين بندا، والتي أعلنها البيت الأبيض في أيلول\سبتمبر 2025، لإنهاء الحرب في قطاع غزة والتي تهدف إلى تحويل غزة إلى منطقة خالية من السلاح والتطرف وإعادة الإعمار وتشكيل إدارة تكنوقراط بضمانات دولية، يجعلها تتحول تدريجيا من صورة التنظيم العقائدي إلى صورة الفاعل السياسي، حيث باتت الحركة مضطرة للتعامل مع ملفات التهدئة وإعادة الإعمار والإدارة الجديدة، في ظل ترتيبات أمنية وسياسية وطنية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد، تعيد تعريف دور حماس في اليوم التالي لغزة بعد الحرب، وإن كانت حماس مهمة للضبط الميداني والعلاقة مع الفصائل الأخرى في القطاع في الفترة الانتقالية، ولكن شروط بقائها السياسي يتطلب تخلي حماس عن هويتها الفكرية وخطابها الأيديولوجي وارتباطاتها السياسية الإقليمية، وهو ما أعلنته في أكثر من مناسبة، ولكن تحول حماس إلى فاعل سياسي لا يعني تخليها عن هويتها الفكرية. إن البراغماتية السياسية أصبحت جزءا أساسيا من إدارتها لعلاقاتها الوطنية والإقليمية وقت الأزمات والتحولات الكبرى، وهي عملية تكيف مؤقته تفرضها الظروف والوقائع، وهذا يعني أن حماس معنية بالحفاظ على موقعها كفاعل سياسي فلسطيني بدلا من الظهور كامتداد لمشروع إقليمي أيديولوجي أوسع يجبرها على الصدام مع محيطها الإقليمي العربي أو جوارها الجغرافي الأقرب في ظل اتجاه إقليمي يعطي أولولية للاستقرار والدولة الوطنية، بعيدا عن المحاور الإقليمية والقوى المرتبطة فيها والتي تحتاج إلى فهم دقيق لهذا الاتجاة السائد، لذلك فإن تخلي حماس عن دورها وخطابها الأيديولوجي التقليدي المرتبط بمشروع الأخوان العابر للحدود أو غيره مرتبط بشرط البقاء السياسي الواقعي وكأبرز النتائج المباشرة للحرب على غزة وما تبعها من أحداث وتطورات إقليمية أشمل، خصوصا في ظل محاولة إسرائيلية لفرض ترتيبات أمنية وسياسية وإقليمية على القطاع. ولهذا تدرك الحركة أن استمرارها يتطلب قدرة أكبر على التكيف مع الظروف الراهنة والضعوط والرقابة الدولية والإقليمية المرتبطة بمستقبل القطاع وإعادة الإعمار ووقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي والمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية.
وفي ظل هذا الواقع الصعب تبدو حماس أمام عملية انتقال تدريجية من حركة مرتبطة بمشروع الأخوان وغيره إلى فاعل سياسي يتعامل مع الوقائع الإقليمية بمرونة وبراغماتية.