
2026-05-17 08:29
ينتمي الأديب والإعلامي د. حسن عبد الله إلى سلالة نادرة من المبدعين الذين لا تستوقفنا كثرةُ نتاجهم وحدها، وإن تجاوزت مؤلفاته العشرين، بل يستوقفنا ما ينطوي عليه هذا النتاج من اتساع في المسارات وتعدّد في التجليات، بما يقتضي تتبّعًا وتأملًا ومحاولةً لالتقاط ما ينتظمه في رؤية واحدة. وذلك أمرٌ بالغُ القسوة على الناقد.
إذ ليس من اليسير الاقتراب من تجربةٍ أدبية تستفز القارئ قبل أن تستدعيه، وتوقظ فيه سؤال القراءة قبل أن تمنحه طمأنينة التلقي. فثمّة نصوص تُحدث في النفس رجفة أولى، تدفع الناقد إلى إعادة النظر في أدواته، وفي قدرته على الإمساك بما يتوارى خلف ظاهر العبارة. ومن هذا الضرب جاءت نصوص الأديب حسن عبد الله؛ نصوص تستنفر الذائقة، وتستدعي معها عين الدرس والنقد، فلا تكتفي بأن تُقرأ، وانما تُطالِب بأن تُفهم وتُستكشف.
وهكذا فالنصوص الفريدة تستقطب اقلام النقاد وعقولهم
وقد جذبتني عناوين بعض مؤلفاته اللافتة، مثل «دمعة ووردة على خد رام الله» و*«رام الله تصطاد الغيم»*، ومن مذكرات زيتونة ، وطرقات على باب الامل ، والبستان يكتب بالندى ، وعروسان في الثلج ، ووجع الكلمة وعبقها، والحضن الدافئ والعصا الغليظة فوجدت نفسي مدعوًّا إلى مائدة أدبية ثرية، تزخر بالمجاز، وتضطرب بانزياحاتٍ حيوية مباغتة، وتزدان باستعاراتٍ رشيقة ، وكناياتٍ انيقة ، وصورٍ تتوالد في نسيجٍ واحد.
وهنا تتجلى البلاغة وتستعيد سلطانها وتتقدّم بكامل زينتها حتى يغدو النص بستانًا خصبًا، تتفتّح فيه المعاني، ويهزأ باليباب والجفاف. تلك بحق طبائع الروائع ، وديدنها الذي لا تنفكّ عنه
وإذا كانت العناوين تتزيّن بحلى البلاغة، فإن متن هذه الكتب يغوص في الأعماق ، كاشفا عما يختبئ خلفه من لطائف الشعور، وطرائف الوصف، ودقائق التصوير. ومن هذا العمق تنبثق لغةٌ فارهة المعاني، باسقة المباني، تنضح بأطايب الكلم، وتفيض بروائع الصور، فتتوالد الدلالات في نسيجٍ حيّ، وتتسع طبقات المعنى كلما انكشف منها وجه.
وفي هذا المسار يتداخل الجمالي بالقيمي، فتصبح اللغة امتدادًا للموقف. فينهض الأديب حسن عبد الله ممتشقًا الحرف، مشدودًا إلى البحث عن الكرامة والعزّة والأنفة، ومتمسكًا بكل ما هو طاهر ونقي ونبيل. وتتحوّل الكتابة عنده إلى فعلٍ يرتقي بالمعنى ويقاوم الابتذال، يستعيد للغة نقاءها، وللمعنى صفاءه، وللنص إشراقه .
ومن هنا يجد القارئ نفسه منقادًا إلى هذه النصوص، لا بقسرٍ ولا بإغواءٍ سطحي، وانما بانجذابٍ يتولّد من داخل التجربة نفسها. فهي نصوص تمنح نفسها لمن يصبر عليها، وتكشف سرها لمن يحسن الإصغاء إليها ، وتفتح أبوابها لمن يملك مفاتيح القراءة . وهي، في الوقت ذاته، نصوص تستفز النقد، وتستدعي التحليل، وتدفع إلى الغوص في طبقاتها، بحثًا عن مكامن الجمال فيها، ومواطن البراعة التي تتوارى خلف انسياب العبارة.
نحن ازاء تجربة تفرض حضورها في المشهد الأدبي، وتستدعي قراءةً تليق بما تنطوي عليه من ثراء. ويصحّ القول إن صاحبها كاتب لا يكتفي بالكتابة، بل يصوغ نصّه في منطقة تتقاطع فيها اللغة مع التجربة، ويتجاور فيها الحسّ الجمالي مع الوعي بالمعنى، حتى يغدو النص مساحةً يتجلّى فيها الإنسان في أرقى حالاته.
ويمتد هذا الوعي إلى اشتغاله على الأغنية العربية، إذ يقرأ الفن حقلًا ثقافيًا ووجدانيًا، لا مجرد نتاج سمعي. ففي قراءاته لتجربة فيروز وزياد الرحباني، تتقاطع الكلمة مع الصوت، ويتجاور الصمت مع المعنى، في بناءٍ فنيٍّ يترك أثره العميق في الذاكرة. وهو لا يقف عند ظاهر التجربة، بل ينفذ إلى بنيتها الداخلية، كاشفًا كيف يتشكّل الخطاب الفني حين يلتحم الحس الجمالي بالوعي، وكيف تتحول الأغنية إلى حاملٍ للمعنى حين تعجز اللغة المباشرة عن استيعابه.
وتتسع هذه القراءة لتشمل تجربة عبد الحليم حافظ وعبد الرحمن الأبنودي، حيث تتآلف الأغنية مع اللحن في نسيجٍ واحد، ويتكثف الصوت مع الإيقاع حاملًا وجدان جماعة تبحث عن معنى بعد الصدمة، فتنهض الأغنية بدورها في ترميم الوجدان، وتحويل الألم إلى طاقة جمعية.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في تناوله لأم كلثوم وتأثيرها لدى الأسرى الفلسطينيين، إذ تتجاوز الأغنية حدود التذوق لتتحوّل إلى فعلٍ من أفعال الصمود، فتغدو سندًا داخليًا يحفظ التوازن في مواجهة القهر، ويمنح الزمن القاسي معنى يُحتمل. وهنا يصبح الصوت وعاءً للذاكرة، يُعاد تشكيله خلف القضبان.
ثم يواصل في مؤلفاته الأخرى ملامسة التجربة الإنسانية في أكثر لحظاتها كثافة، ولا سيما في أدب الأسر، حيث تصبح الكتابة ضرورةً للبقاء، ويتحوّل النص إلى وسيلة لبناء الذات ومقاومة المحو. ومن هذا الأفق تمتد قراءاته إلى رموز أدبية كبرى، مثل حنّا مينه ومحمود درويش، حيث يتجاوز النص حدود الفرد ليعبّر عن الجماعة، ويعيد بناء المعنى في مواجهة الفقد.
ويأخذ هذا المسار بعده السردي في مجموعاته القصصية، إذ تنبثق الحكاية من صميم الواقع، متكئة على تداخل التجربة والرمز، وعلى استعادة علاقة الإنسان بالأرض والكرامة بالذاكرة. لذلك لا يظهر السرد عنده بناءً حكائيًا مجردًا، بل شهادةً فنية وإنسانية قادرة على تحويل الحدث والتفصيل إلى معنى أعمق
وهكذا ففي هذه المسارات جميعها تتكثف التجربة في نسيج واحد، حيث يلتقي القيد بالذاكرة، والسجن بالأرض، والميدان بالمدينة، فتنبثق كتابة تعيد بناء المعنى من الداخل، وتغرس أثرها في الوعي فتصبح فعلًا من أفعال البقاء.
وأيمُ الله، إنّ أديبًا هذه سمته، ونصوصًا هذا شأنها، لجديران بأن يُحتفى بهما، بما يليق بمقامهما؛ إذ ليست الكتابة عنده لفظًا يُلقى، بل بناءً يُشاد، ومعنى يُستخرج، وحضورا يُغرس في الوعي غرسًا لا يزول.