
2026-05-19 18:25
4D pal
تدخل المفاوضات بين لبنان وإسرائيل مرحلة دقيقة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية بالسياسية، في ظل استمرار التوترات الحدودية ومحاولات أميركية لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام مسار تسوية سياسية حقيقية، أم أمام إدارة مؤقتة للصراع عبر ترتيبات أمنية قابلة للانهيار في أي لحظة؟
الواقع يشير إلى أن إسرائيل تميل بوضوح نحو الخيار الثاني. فهي لا تسعى إلى حل سياسي نهائي بقدر ما تفضّل "إدارة الأزمة" عبر ترتيبات أمنية تمنحها هامش حركة واسعاً، دون الدخول في التزامات سياسية أو قانونية ثقيلة. فالحل السياسي الشامل يعني عملياً حسم ملفات شائكة، مثل ترسيم الحدود النهائية، الانسحاب من النقاط المتنازع عليها، وملف مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، إضافة إلى مستقبل الثروات البحرية وحقول الغاز.
في المقابل، يوفّر "الحل الأمني المؤقت" لإسرائيل ما تحتاجه في المرحلة الحالية: هدوء نسبي على الجبهة الشمالية، مع الاحتفاظ بحرية التدخل العسكري متى اقتضت الضرورة، وإبقاء أوراق الضغط قائمة على لبنان.
وتعكس سياسات الحكومات الإسرائيلية الحالية، ذات الطابع اليميني، هذا التوجه بوضوح، حيث تتقدم الاعتبارات الأمنية على أي مسار سياسي ملزم، في ظل قناعة راسخة بأن أي تسوية نهائية قد تقيد حرية الحركة الإسرائيلية في المستقبل.
وفي هذا السياق، تثير التصريحات الصادرة عن بعض الشخصيات الإسرائيلية المتطرفة، مثل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، مخاوف إضافية في لبنان بشأن مستقبل الجنوب، وإمكانية تكريس وقائع أمنية طويلة الأمد تحت ذرائع حماية الحدود. ورغم أن الحديث عن استيطان مباشر في لبنان لا يزال غير واقعي، فإن التجربة الفلسطينية تبقى حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية؛ إذ بدأ الاستيطان في الضفة الغربية تحت عناوين أمنية مؤقتة قبل أن يتحول إلى واقع دائم.
من هنا، تنبع المخاوف اللبنانية من أن تتحول الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى أمر واقع طويل الأمد، في حال غياب ضمانات سياسية واضحة ونهائية.
على الضفة الأخرى، تبدو الولايات المتحدة أكثر انشغالاً بمنع انفجار إقليمي واسع من اهتمامها بصناعة تسوية شاملة. فواشنطن تدرك أن أي حل سياسي نهائي سيفرض على إسرائيل تقديم تنازلات غير مرغوبة حالياً، ولذلك تفضّل إدارة الأزمة عبر خطوات جزئية تضمن الاستقرار النسبي دون معالجة الجذور.
هذا النهج الأميركي يرتبط أيضاً بالحسابات الإقليمية الأوسع، خصوصاً العلاقة مع إيران، حيث يشكل لبنان جزءاً من توازن الردع في المنطقة. وبالتالي، تصبح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية امتداداً غير مباشر للصراع الأميركي الإيراني، أكثر منها مساراً ثنائياً مستقلاً.
لكن الإشكالية الأساسية تبقى قائمة: هل يمكن أن تتحول التهدئة المؤقتة إلى استقرار دائم؟
الإجابة ترتبط بمدى القدرة على حسم الملفات الجوهرية. فترسيم الحدود بشكل نهائي، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المتنازع عليها، وضمان الحقوق اللبنانية في الثروات البحرية، تمثل عناصر لا يمكن تأجيلها دون مخاطر تراكم الأزمات مستقبلاً.
وفي هذا السياق، تبدو التجربة الفلسطينية نموذجاً تحذيرياً بالغ الدلالة. فالمفاوضات التي جرت برعاية أميركية أُطلقت على أساس الوصول إلى دولة مستقلة، لكنها انتهت إلى توسع الاستيطان، وتعطيل المسار السياسي، ثم ظهور مشاريع تسوية جزئية أعادت تعريف الحلول بعيداً عن جوهر الحقوق الأساسية.
السيناريو الأقرب في المرحلة الحالية هو الوصول إلى تهدئة أمنية مؤقتة، تتضمن ترتيبات ميدانية وانتشاراً أكبر للجيش اللبناني جنوباً، تحت إشراف وضغط دولي. غير أن هذا السيناريو، رغم أنه يخفف منسوب التوتر، لا يعالج جذور الأزمة، بل يؤجل انفجارها المحتمل.
أما في حال تعثّر التفاهمات أو تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بالمواجهة مع إيران، فإن احتمال العودة إلى التصعيد يبقى قائماً بقوة، بما يهدد استقرار الجبهة اللبنانية بالكامل.
في المحصلة، تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى إدارة صراع طويل الأمد منها إلى مسار تسوية نهائية. فإسرائيل تسعى إلى أمن بلا التزامات، والولايات المتحدة إلى استقرار بلا حلول جذرية، فيما يبقى لبنان أمام تحدٍ مركزي: كيف يحمي سيادته وحقوقه من دون الانزلاق إلى فخ التسويات المؤقتة التي قد تتحول مع الزمن إلى وقائع دائمة؟
----------------------------------------------------
*باحث في السياسات العامة والشؤون الإقليمية