
2026-08-15 12:21
لا يبدو قرار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني المتعلقة بالمستوطنين في الضفة الغربية من الجيش إلى الشرطة مجرد إعادة توزيع للمهام الأمنية.
فالقرار، الذي يأتي في ظل تصاعد عنف المستوطنين والانتقادات الموجهة إلى الجيش بشأن تعامله معهم، يحمل دلالة سياسية واستراتيجية أوسع: إعادة صياغة علاقة إسرائيل بالمستوطنات، ونقلها تدريجياً من منطق الإدارة العسكرية إلى منطق الاندماج في مؤسسات الدولة المدنية.
وتكتسب الخطوة أهميتها وخطورتها على مستقبل القضية الفلسطينية من أنها لا تأتي منفردة، بل في سياق استمرار منهجي لسياسات منظومة استعمارية متكاملة تتخذ منذ سنوات الإجراءات على الأرض: هندسة الطرق الاستيطانية، وتوسيع المستوطنات والبؤر، وعزل المدن والقرى الفلسطينية، والتحكم بأموال المقاصة، وتقييد الحركة والوصول إلى الأرض، وتوفير مظلة سياسية وأمنية للمستوطنين كانت والنتيجة هي تضييق متدرج لشروط الحياة الفلسطينية، بحيث يصبح البقاء في الأرض أكثر صعوبة وخطورةوكلفة، فيما يصبح التوسع الاستيطاني أكثر أمناً واستقراراً.
هنا تتضح إحدى أخطر دلالات المسار الإسرائيلي: فرض وقائع الضم بأقل كلفة سياسية وأمنية، ومن دون الحاجة إلى إعلان ضم رسمي. فالضم لا يشترط بالضرورة صدور قانون واحد يعلن السيادة على الضفة؛ يمكن أن يتشكل تدريجياً عبر الطرق والمستوطنات والقوانين والمؤسسات والصلاحيات، إلى أن يصبح الواقع الجديد أكثر رسوخاً من أي إعلان سياسي.
ولفهم هذه السياسة، لا بد من استحضار تجربة تاريخية فلسطينية ذات دلالة. فمنذ ما قبل النكبة، استخدمت العصابات الصهيونية العنف والتهجير لفرض واقع جديد على الفلسطينيين. وبعد عام 1948، فُرض الحكم العسكري على الفلسطينيين الذين بقوا داخل "إسرائيل"، واستمر حتى عام 1966، فأخضع حركتهم وأرضهم وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية لنظام من القيود العسكرية والامنية، بينما جرى في المقابل التعامل المجتمع اليهودي في مؤسسات الدولة المدنية كموطنيي طبيعيين كاملي الحقوق المدتبة.
اليوم، تبدو الضفة في محاكاه للنموذج السابق (بعد النكبه) وأمام إعادة إنتاج مختلفة لهذه المعادلة: المستوطن يتجه نحو الاندماج في المنظومة المدنية الإسرائيلية، بينما يبقى الفلسطيني تحت منظومة السيطرة العسكرية والأمنية. وبذلك تتشكل على الأرض منظومتان مختلفتان للسكان في المكان ذاته؛ منظومة مدنية للمستوطن، ومنظومة عسكرية للفلسطيني.
وهنا تحديداً تكمن الدلالة السياسية لنقل الصلاحيات. فالجيش هو مؤسسة الاحتلال والسيطرة العسكرية في الضفة، بينما الشرطة مؤسسة مدنية داخل الدولة الإسرائيلية. وعندما تنتقل إدارة شؤون المستوطنين من الجيش إلى الشرطة، بالتوازي مع استمرار الجيش في السيطرة الأمنية على الفلسطينيين، فإن إسرائيل لا تعيد توزيع المسؤوليات فحسب، بل تعيد تشكيل طبيعة وجودها في الضفة.
قد تقول إسرائيل إن الهدف هو تحسين إنفاذ القانون ومواجهة عنف المستوطنين، وهو ادعاء ينبغي أن يُقاس بالنتائج لا بالشعارات. فإذا أدى القرار إلى محاسبة حقيقية للمستوطنين المعتدين على الفلسطينيين، فسيكون لذلك معنى مختلف. أما إذا أصبح نقل الصلاحيات وسيلة إضافية لحماية الاستيطان وتثبيت وجوده، فإنه يتحول إلى جزء من مشروع سياسي أوسع. وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل تولي الشرطة وزارة الأمن القومي بقيادة إيتمار بن غفير الذي سيصدضاعف من دعم المستوطنين والاستيطان بشتى الوسائل وفي مقدمتها العنف والارهاب
الأهم أن إسرائيل تتحرك في اتجاه تغيير الواقع قبل تغيير القانون، فهي تدرك أن إعلان ضم رسمي للضفة ستكون له كلفة سياسية وقانونية ودولية كبيرة، ولذلك قد يكون البديل الأكثر فاعلية هو بناء واقع يجعل الضم أمراً متراكماً يصعب التراجع عنه.
وهذا المسار يصطدم مباشرة بقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 2334، الذي أكد عدم شرعية المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، واعتبرها عقبة أمام حل الدولتين. كما أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2024 أكد عدم مشروعية استمرار الاحتلال والاستيطان وطالب بإنهائهما.
لذلك فإن القضية لا تتعلق فقط بمن يتولى حماية المستوطنين، وإنما بمستقبل الضفة نفسها. فإذا استمر توسيع المستوطنات، وتقطيع الجغرافيا الفلسطينية، وإضعاف الاقتصاد، وتقييد الحركة، وتوسيع حضور المؤسسات الإسرائيلية المدنية، فإن المساحة اللازمة لقيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة تتآكل تدريجياً.
وهنا تكمن خطورة الضم الزاحف: أن يتحول الضم من قرار سياسي يمكن مواجهته دولياً إلى واقع جغرافي وقانوني ومؤسسي يتشكل خطوة بعد أخرى، وبكلفة أقل على إسرائيل.
إن إسرائيل لا تحتاج، في هذه المرحلة، إلى إعلان أن الضفة أصبحت جزءاً منها؛ يكفي أن تجعل مؤسساتها وقوانينها وطرقها ومستوطنيها يتعاملون معها على هذا الأساس.
فالضم الأكثر خطورة ليس ذلك الذي يُعلن في يوم واحد، بل ذلك الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى يصبح الواقع الجديد أمراً يصعب تغييره.