
2026-05-20 09:55
لم تعد المسألة تتعلق بمن ربح الجولة الأخيرة بين واشنطن وطهران، بل بمن استطاع أن يفرض معادلة ردع جديدة في الشرق الأوسط. فخلف الضجيج الإعلامي والتصريحات النارية، تتشكل حقيقة أكثر خطورة: الحرب الشاملة بين إيران والولايات المتحدة أصبحت أبعد من أي وقت مضى، ليس لأن الطرفين يفضلان السلام، بل لأن كلفة الانفجار المقبل باتت مرعبة للجميع.
إيران التي خرجت من المواجهة الأخيرة تحت وابل العقوبات والضربات، لم تتصرف كدولة مهزومة. على العكس، أعادت بسرعة ترميم جزء كبير من قدراتها العسكرية، وطورت بنك أهداف جديدًا يتجاوز القواعد العسكرية التقليدية إلى شرايين الحياة الاقتصادية في الخليج وإسرائيل. الحديث هنا لم يعد عن استهداف معسكرات أو مواقع رادار فقط، بل عن محطات كهرباء، ومنشآت تحلية مياه، وموانئ، ومراكز طاقة، وبنى تحتية قادرة على شل الحياة في المنطقة خلال ساعات.
الرسالة الإيرانية وصلت بوضوح: أي عدوان أمريكي جديد لن يُقابل برد موضعي، بل بعاصفة صواريخ ومسيرات تستهدف ما يقارب ألف هدف عسكري ومدني خلال الساعة الأولى فقط. وهذه ليست مجرد لغة دعائية؛ فالحرب الأخيرة كشفت أن إيران لم تعد تعتمد فقط على الصواريخ بعيدة المدى، بل على شبكة إقليمية من أدوات الضغط والقدرات غير التقليدية التي تجعل أي حرب مفتوحة أقرب إلى انتحار اقتصادي للمنطقة بأسرها.
في المقابل، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكأنه يحاول صناعة انتصار سياسي أكثر من سعيه إلى خوض مواجهة حقيقية. تصريحاته المتناقضة تكشف حجم الارتباك داخل الإدارة الأمريكية. مرة يقول إن كل القدرات النووية الإيرانية دُمّرت بالكامل، ثم يعود ليؤكد أن إيران تحتاج إلى عشرين عامًا لإعادة بناء ما خسرته. وفي تصريح آخر يتحدث عن قرب التوصل إلى تسوية، ثم يعود ليهدد بأن الحرب قد تكون الطريق الوحيد لإجبار طهران على العودة إلى المفاوضات.
هذا التناقض الأمريكي يقابله خطاب إيراني أكثر تماسكا. الإيرانيون يكررون بوضوح أن لديهم خطوطًا حمراء، لكنهم في الوقت ذاته يلوحون بأوراق قوة جديدة، أخطرها ما يمكن تسميته بـ"السلاح النووي غير المعلن": مضيق هرمز. فطهران تدرك أن قدرتها على تهديد الملاحة والطاقة العالمية قد تكون أكثر تأثيرًا من أي قنبلة تقليدية، وأن مجرد التلويح بإغلاق المضيق كفيل بإشعال أسواق النفط وإدخال الاقتصاد العالمي في حالة ذعر.
المحصلة النهائية أن الطرفين لا يريدان الحرب فعليًا. لكن الفارق الجوهري أن واشنطن باتت تشعر بأن العودة إلى المواجهة العسكرية قد تكون نتائجها الكارثية عليها وعلى حلفائها أكبر من تلك التي ستتحملها إيران نفسها. ولذلك، فإن كل التصعيد الحالي يبدو أقرب إلى مفاوضات بالنار لا إلى استعداد لحرب شاملة.
لهذا السبب تحديدًا، يبدو الاتفاق بين الجانبين أقرب مما يعتقد كثيرون. ليس لأن الخلافات انتهت، بل لأن صيغة "الانتصار" أصبحت ممكنة للطرفين دون أن تلغي مصالح الطرف الآخر.
الإيرانيون يستطيعون تقديم الاتفاق لشعبهم باعتباره انتصارًا اقتصاديًا واستراتيجيًا إذا تم رفع جزء كبير من العقوبات، وتحرير الأموال الإيرانية المجمدة، وفتح المجال أمام الاقتصاد الإيراني للتنفس من جديد. وهذا بالنسبة لطهران هو المعنى الحقيقي للنصر: البقاء، وكسر الحصار، والحفاظ على النظام.
أما الأمريكيون، فيكفيهم الوصول إلى اتفاق يجمّد أو يقيّد تخصيب الماء الثقيل لعدة سنوات، مع فرض رقابة صارمة على البرنامج النووي، ليعلنوا أنهم منعوا إيران من الاقتراب من السلاح النووي وحققوا هدف الردع دون حرب جديدة.
وهنا تكمن المفارقة الأهم في هذه المعركة: تعريف الانتصار لدى الطرفين لا يتعارض هذه المرة مع تعريف الطرف الآخر. وهذه بالضبط هي الأرضية التي تصنع الاتفاقات الكبرى، لا الحروب.
الشرق الأوسط اليوم لا يقف على حافة مواجهة شاملة، بل على أعتاب صفقة ضخمة تُكتب تحت التهديد المتبادل. فحين تصبح الحرب مكلفة إلى هذا الحد، يتحول التفاوض إلى الخيار الوحيد الممكن، حتى بين ألد الأعداء.