
2026-09-01 13:31
ليست زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينغ" إلى القاهرة مجرد محطة دبلوماسية أو احتفال بسبعين عاماً من العلاقات المصرية–الصينية؛ فالمشهد يتجاوز ذلك بكثير.
ما يجري في القاهرة يعكس تحولاً في طبيعة التنافس الدولي على الشرق الأوسط، حيث لم تعد معركة النفوذ تدور فقط حول السلاح والطاقة والموانئ والأسواق، بل انتقلت إلى الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل التكنولوجيا الاستراتيجية.
وصل الرئيس الصيني شي، إلى مصر في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، وفي أول زيارة له إليها منذ عام 2016، بالتزامن مع مرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1956. وخلال هذه العقود انتقلت العلاقة من التضامن السياسي بين دولتين من دول الجنوب العالمي إلى شراكة استراتيجية شاملة.
واللافت أن بكين تريد لهذه الزيارة أن تحمل معنى يتجاوز البعد التاريخي. ففي مقال نشره "شي" في الصحف المصرية بالتزامن مع الزيارة، قدم العلاقات المصرية–الصينية نموذجاً للتعاون بين الدول النامية، وربطها بالتعددية الدولية والعدالة والتعاون، مؤكداً دعم الصين ومصر للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
مصر.. بوابة الصين إلى العالم العربي وأفريقيا
تدرك بكين أن مصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة، بل دولة ذات موقع استثنائي في هندسة النظام الدولي. فقناة السويس تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ومصر تقع عند ملتقى آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتمتلك بوابة طبيعية إلى الأسواق العربية والأفريقية، إلى جانب وزنها السياسي والعسكري والدبلوماسي.
ولهذا أصبحت منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية–المصرية في قناة السويس إحدى ركائز العلاقة بين البلدين، فيما تنظر بكين إلى مصر باعتبارها شريكاً تجارياً واستثمارياً رئيسياً لها في العالم العربي وأفريقيا.
معركة الرقائق.. عندما تتحول التكنولوجيا إلى جغرافيا سياسية
قبل زيارة شي، برز تطور بالغ الدلالة تمثل في تقدم شركة هواوي الصينية بعرض للحكومة المصرية لبناء مراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، تتضمن أكثر من ألفي رقاقة متقدمة.
ووفق تقارير إعلامية، يتضمن العرض 1408 رقائق من سلسلة Ascend 950 لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى 600 رقاقة أخرى من Ascend 950 أو 910B لتشغيل النماذج، مع خطة لإنجاز البنية التحتية خلال 12 شهراً، فيما لم تكن القاهرة قد أعلنت اختيار العرض الصيني بصورة نهائية.
قد تبدو هذه الأرقام محدودة مقارنة بالبنى العملاقة للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة والصين، لكن قيمتها الاستراتيجية أكبر بكثير من عدد الرقائق.
فإذا نجحت هواوي في تنفيذ المشروع، فإنها لن تبيع مصر أجهزة فحسب، بل ستشارك في بناء جزء مهم من البنية التحتية الرقمية لدولة عربية وأفريقية ذات وزن إقليمي كبير.
وهنا يظهر البعد الأميركي. فقد أشارت تقارير إلى تحرك واشنطن لدراسة عرض منافس، مع اتصالات بشركات تكنولوجية أميركية كبرى. وبذلك تتحول مصر إلى ساحة اختبار للمنافسة الصينية–الأميركية على مستقبل الذكاء الاصطناعي خارج الصين.
وهذه هي النقطة الأهم: من يملك البنية التكنولوجية المتقدمة يمتلك جزءاً متزايداً من أدوات القوة والسيادة في القرن الحادي والعشرين.
فاليوم من يملك الرقائق، ومراكز البيانات، والنماذج الذكية، وشبكات الاتصالات، والبيانات والقدرة على تدريب الخوارزميات وتشغيلها.
لذلك فإن السؤال المصري الحقيقي ليس فقط: من سيمول المشروع؟ بل: من سيشارك في تشكيل العقل التكنولوجي المصري خلال العقد المقبل؟
مصر لا تريد استبدال واشنطن ببكين
مع ذلك، سيكون من الخطأ قراءة السياسة المصرية باعتبارها انتقالاً من المعسكر الأميركي إلى المعسكر الصيني. القاهرة تبدو أكثر براغماتية من ذلك؛ فهي تسعى إلى تنويع الشراكات ومصادر القوة وعدم ربط مستقبلها الاقتصادي والتكنولوجي بدولة واحدة.
وهذا يعني أن المعادلة المصرية ليست "الصين أو أميركا"، وإنما كيف تستفيد مصر من الصين والولايات المتحدة وغيرهما لبناء قدرتها الوطنية.
هذه السياسة تمنح مصر هامشاً أوسع للمناورة في نظام دولي يتجه نحو تعدد مراكز القوة.
لماذا الصين.. ولماذا الآن؟ بكين، من جهتها، الذكاء الاصطناعي يتحول تدريجياً إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية الصينية. فبكين تريد تقديم نفسها لدول الجنوب العالمي ليس فقط كمصدر للمنتجات، بل كشريك في بناء القدرات الرقمية والتكنولوجية.
ومن هنا تكتسب مصر أهمية استثنائية. فإذا تحولت القاهرة إلى مركز للتكنولوجيا الصينية في العالم العربي وأفريقيا، فقد يصبح النموذج قابلاً للتكرار في دول أخرى، لتنتقل المنافسة الصينية–الأميركية من بيع التكنولوجيا إلى بناء منظومات تكنولوجية متنافسة عالمياً.
الشرق الأوسط.. عصر تعدد الشراكات
العالم العربي نفسه لم يعد يريد أن يكون مجرد ساحة للتنافس بين القوى الكبرى. فدول عربية رئيسية تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند وأوروبا، وتحويل التنافس الدولي إلى فرصة لتعزيز قدراتها ومصالحها الوطنية.
وتدرك الصين ذلك جيداً؛ باعتبارها قوة اقتصادية وتكنولوجية وسياسية توفر خيارات إضافية.وهنا تكمن أهمية مفاهيم الاستقرارو السيادة والتنمية وعدم التدخل والتعددية التي تركز عليها بكين، والتي تجد صدىً لدى قطاعات واسعة من دول الجنوب العالمي.
فلسطين.. حضور في الحسابات الصينية
تنظر الصين إلى مصر باعتبارها دولة محورية في أي ترتيبات إقليمية، خاصة من الزاوية الفلسطينية، حيث تواصل بكين التأكيد على حل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة، ورفض التهجير القسري وقف الحرب والمساعدات أو إعادة الإعمار ومستقبل الحكم الفلسطيني.، ومبدأ "الفلسطينيون يحكمون فلسطين".
"العصر الذهبي".. ولكن بشروط
لا ينبغي أن يقاس "العصر الذهبي" للعلاقات المصرية–الصينية بعدد الاتفاقيات التي ستوقع في القاهرة، بل بقدرة الطرفين على تحويلها إلى قدرات مصرية إنتاجية وتكنولوجية حقيقية.
السؤال الذي يبقى بعد مغادرة "شي".. من سيكسب معركة المساهمه بتشكيل المستقبل التكنولوجي لمصر؟
إذا نجحت القاهرة في تحويل التنافس الصيني–الأميركي إلى فرصة لبناء قدراتها الوطنية، فإنها لن تكون مجرد مستفيد من صراع القوى الكبرى، بل ستصبح لاعباً أكثر استقلالاً في النظام الدولي.
ولهذا فإن زيارة شي ليست مجرد زيارة رئيس صيني إلى دولة عربية كبرى؛ إنها اختبار لقدرة مصر بحكم موقعها وتاريخها ووزنها العربي والأفريقي، مرشحة لأن تكون واحدة من أهم هذه الدول و تحويل موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وشراكاتها الدولية إلى قوة تكنولوجية وسيادة استراتيجية.
..........................................
*باحث في الشؤون الإقليمية والدولية
