
2026-06-06 17:18
لا أعرف كيف يمكن لأي مؤمن بأهمية الديمقراطية والانتخابات بوصفهما وسيلة لتجسيد التعددية ومبدأ المنافسة وعكس إرادة الشعب، وأي مؤمن بأن فلسطين لا تزال تمر بمرحلة تحرر وطني مهمة حركتها الوطنية الرئيسة دحر الاحتلال ووقف مخططات التصفية والعدوان، أن يرى في انتخابات المجلس الوطني، بصيغتها المطروحة، فرصة حقيقية.
كيف يمكن اعتبارها فرصة، في حين أنها ستجري تحت الاحتلال المتحكم بكل شئ والذي قضى حتى على اتفاق أوسلو ولكن لم يقم بدفنه حتى لا يتحمل المسؤولية عن موته ويبقي الالتزامات الفلسطينية قائمة، وأن هناك:
أولًا: شرطًا للإقصاء السياسي يُفرض على جميع المرشحين والمشاركين، يتمثل في الالتزام ببرنامج المنظمة والتزاماتها والشرعية الدولية رغم أنها وصلت إلى عكس ما أمل الفلسطينيين تحقيقه!؟
ثانيًا: يجري تكليف لجنة الانتخابات التابعة للسلطة بالإشراف على انتخابات المنظمة، التي يُفترض أنها أعلى من السلطة ومرجعية لها.
ثالثًا: يلوح في الأفق خطر التعيين، الذي سيشمل على الأقل نحو 150 عضوًا من أعضاء المجلس الوطني، أي كوتة الخارج أو معظمها.
رابعًا: ستكون هناك محاولات متنوعة ومبتكرة للتزوير كما حدث في مؤتمر حركة فتح الأخير، في ظل غياب قوى حزبية كبيرة وقوية مثل حركة حماس، يمكن أن تقاطع في ظل الشرط الإقصائي السياسي، يمكن أن توفر رقابة داخلية فعالة على العملية الانتخابية.
خامسًا: إذا كانت هنالك نية حقيقية لإجراء انتخابات للفلسطينيين في الخارج في البلدان العربية والأجنبية، فقد كان ينبغي البدء منذ فترة طويلة بإعداد سجل للناخبين، والتباحث مع الدول التي تقيم فيها جاليات فلسطينية، وبحث مسألة تمكين الفلسطينيين المقيمين في الأردن (عددهم حوالي مليون) ممن بلغوا سن الاقتراع ولا يحملون الجنسية الأردنية من المشاركة في الانتخابات.
سادسًا: كيف يمكن اعتبار الانتخابات فرصة وهي ستجرى في ظل الانقسام المتعمق والمتسع وانتشار شعارات الاقصاء والتخوين والتكفير والنظر للانتخابات كآلية لحسم الصراع الداخلي وإسقاط الخصم الداخلي، وليست آلية للتنافس الداخلي في إطار الوحدة الوطنية التي تعتبر للقوى والفصائل الوطنية التي تؤمن بأنها لا تزال جزءاً من الحركة الوطنية، ضرورة وليست مجرد خيار من الخيارات، وفي غياب مشروع وطني مشترك ومؤسسة وطنية جامعة؟
سابعًا: في ظل الفصل المتزايد بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس والداخل الفلسطيني، الذي يغيب أصلًا عن انتخابات المجلس الوطني، رغم ضرورة البحث عن صيغة معقولة، لا تضر به تضمن شكل من أشكال مشاركته.
ثامنًا: تأتي هذه الانتخابات في ظل الأوضاع الكارثية التي لا يزال يعيشها قطاع غزة، وكذلك الضفة الغربية وإن بدرجة أقل، وهي أوضاع تجعل الأولوية لتوفير مقومات الصمود والعيش الكريم والأمن والبقاء على أرض الوطن، وللتصدي لمخططات تصفية القضية الفلسطينية عبر الإبادة الجماعية والفصل العنصري والضم والاستيطان والعدوان والتهجير، وعبر فرض الاحتواء والبدائل عبر الوصاية الاستعمارية، كما نرى فيما يسمى مجلس سلام، والمساس بوحدانية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني.
تاسعًا: في ظل تدخل الاحتلال في جميع مراحل العملية الانتخابية للتأثير عليها. وإذا لم تعجبه النتائج، فإنه سيعتقل عشرات الفائزين كما فعل سابقًا، بما يؤدي إلى مصادرة النتائج وشل المجلس المنتخب، وربما دفعه إلى الانهيار، أو حله من قبل السلطة كما حدث مع المجلس التشريعي.
إن من قرر القفز فوق الانتخابات البلدية وصولًا إلى انتخابات المجلس الوطني، مع استبعاد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية مع أنها الأهم والممكنة بشكل أكبر بحكم وجودها ضمن الاتفاقات المبرمة بين المنظمة وإسرائيل، يعرف جيدًا ما يفعل. فهو إما لا يريد إجراء الانتخابات، أو لا يريد إجراءها إلا إذا كانت نتائجها مضمونة سلفًا، بما يفضي إلى إنتاج شرعية مشوهة تكرس الوضع البائس القائم. وإذا شعر بأي خطر يهدد هذه النتائج، فلن يتردد في إلغائها كما حدث عام 2021، أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى.
وطبعًا، لا يعني كل ما سبق الاستسلام للأمر الواقع، سواء عبر المشاركة في انتخابات مفبركة لا تتوافر لها شروط الحرية والنزاهة واحترام النتائج، وتستهدف إنتاج شرعية منقوصة تشوه إرادة الفلسطينيين وتكرس بقاء السلطة التي تدير السكان تحت الاحتلال ولا تتحول إلى أحد أدوات حركة التحرر لإنهاء الاحتلال، أو عبر المقاطعة التي تسهل على الرئيس تنفيذ ما يريد من الانتخابات بصورة أسرع وأسهل.
ما يزال بالإمكان التحرك العاجل عبر عدة مسارات، منها ما يتعلق بتوفير مقومات الصمود الفاعل وبقاء الشعب على أرضه وبقاء قضيته حية، ومنها ما يخص وضع خطة إنقاذ وطنية، من قبل مختلف الأطراف والالوان خصوصًا الأكثر حرصًا على القضية ومصالح الشعب والمؤمنين بإهمية الديمقراطية التوافقية في مرحلة التحرر الوطني تتضمن شروط ومتطلبات إجراء انتخابات حرة ونزيهة تُحترم نتائجها، والإصرار على هذه الشروط، والعمل على ضم أوسع عدد ممكن من القوى السياسية والمؤسسات والشخصيات الوطنية إلى حملة واسعة تستهدف، ضمن أهداف أخرى، فرض إجراء انتخابات حرة في الوقت المناسب، باعتبارها جزءًا من عملية استنهاض وتغيير وطني تبدأ من هنا ولا تتوقف إلا بتحقيق التغيير الشامل المطلوب.