تقدير موقف: تركيا وإسرائيل في سوريا... صراع نفوذ؛ تحت سقف أمريكي


Case

2026-07-12 07:49

Copy Link

لم تعد العلاقة بين تركيا وإسرائيل مجرد خلاف سياسي مرتبط بالحرب على غزة أو بالمواقف المتبادلة بين حكومتي أنقرة وتل أبيب، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع حول شكل النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط، خصوصًا بعد التحولات الكبرى التي شهدتها الساحة السورية، وسقوط كثير من التوازنات التقليدية التي حكمت المنطقة خلال العقد الماضي.

فالتصريحات التركية الأخيرة، قد تكون استخدامية لغرض تحسين المناورات السياسية مع امريكا، التي أكد فيها وزير الخارجية "هاكان فيدان" أن أنقرة لن تسمح بما وصفه بـ"أوهام أرض الميعاد"، وفي الوقت ذاته شدد على أنه "لا يوجد مبرر للصراع مع إسرائيل"، تعكس معادلة سياسية دقيقة؛ إذ ترفض تركيا السياسات الإسرائيلية التي تعتبرها توسعية، لكنها في الوقت ذاته لا تريد الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع قوة إقليمية مدعومة أمريكيًا.

ومن هنا تأتي أهمية قراءة الموقف التركي من زاوية المصالح الاستراتيجية، وليس فقط من زاوية الخطاب السياسي.

إن التغير في الخطاب التركي تجاه إسرائيل لا يعني تحولًا في موقف أنقرة تجاه إسرائيل، بقدر ما يعكس انتقالًا من مرحلة التعبير السياسي الحاد إلى مرحلة إدارة التنافس وفق حسابات المصالح.

ويرتبط هذا التحول بعدة أسباب، يأتي في مقدمتها أن سوريا أصبحت مركز الصراع الحقيقي في الحسابات التركية والإسرائيلية.

فبعد التحولات التي شهدتها الساحة السورية، أصبحت سوريا نقطة التماس الأساسية بين الطرفي، وتنظر تركيا إلى الملف السوري من منظور أمنها القومي، خصوصًا لناحية؛ منع قيام كيان كردي سياسي مسلح على حدودها الجنوبية والحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري في شمال سوريا، التأثير في شكل الدولة السورية المستقبلية.

أما إسرائيل، فتنظر إلى سوريا من زاوية مختلفة، تتمثل في منع عودة النفوذ الإيراني، ومنع تمركز قوى تعتبرها معادية بالقرب من حدودها، كذلك الحفاظ على حرية العمل العسكري داخل الأراضي السورية.

والقاسم المشترك بين الطرفين أن كلاً منهما يريد التأثير في طبيعة وشكل واتجاهات الدولة السورية المستقبلية، وبالتالي فإن جوهر الخلاف يتمحور حول سؤال أساسي: من يمتلك القدرة الأكبر على التأثير في سوريا ما بعد الحرب(شكل سوريا مستقبلا)؟

رغم التوترات التي شهدتها العلاقات التركية الأمريكية خلال السنوات الماضية، فإن أنقرة ما زالت ترى في علاقتها مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي عنصرًا أساسيًا في أمنها القومي، وتدير خلافات الخلاف دون القطيعة.

فالجيش التركي يمثل أحد أكبر الجيوش داخل الحلف، كما أن الموقع الجغرافي لتركيا يمنحها أهمية استراتيجية استثنائية، ولهذا فإن الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل قد يضع تركيا أمام أزمة أوسع مع منظومة غربية لا ترغب أنقرة في خسارتها.

النسبة للمظله الامريكية، تسعى واشنطن لمنع الصدام التركي الإسرائيلي؛ حيث تحتفظ بمجموعة واسعة من أدوات التأثير التي تمكنها من احتواء أي تصعيد بين أنقرة وتل أبيب؛ اهمها الورقة العسكرية، حيث تُعد الولايات المتحدة البوابة الأساسية أمام تركيا للحصول على التكنولوجيا العسكرية الغربية المتقدمة، ويبرز هنا ملف مقاتلات F-35.

إن إعادة تركيا إلى برنامج F-35 ستكون رسالة سياسية وعسكرية كبيرة، لكنها في الوقت ذاته تثير مخاوف إسرائيل، التي ترى أن امتلاك تركيا لهذه القدرات المتطورة قد يؤثر على تفوقها الجوي النوعي في المنطقة، وكما تمتلك واشنطن أدوات تأثير أخرى، اهمها؛ العقوبات الاقتصادية، والتعاون الدفاعي، كذلك تشجيع الاستثمارات الغربية والتأثير في علاقة تركيا بالمؤسسات المالية الدولية.

فتركيا تحتاج إلى بيئة مستقرة اقتصاديًا، ولذلك لا ترغب في الدخول في أزمة مفتوحة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.

كما تدرك أنقرة أن الملف السوري يمكن إدارته بصورة أكثر فاعلية عبر التنسيق مع واشنطن، التي لا تريد بدورها أن تتحول سوريا إلى ساحة مواجهة تركية إسرائيلية، لأن ذلك سيضعها أمام معادلة معقدة بين طرفين مهمين: تركيا، العضو الأساسي في حلف الناتو، وإسرائيل الشريك الأمني والاستراتيجي للولايات المتحدة.

قد يرفع اعادة تركيا إلى برنامج F-35: مستوى التوتر مع إسرائيل لكنها لا تعني بالضرورة الوصول إلى مواجهة مباشرة، فإسرائيل تنظر إلى هذا الملف من زاويتين رئيسيتين:

أولًا: الحفاظ على التفوق العسكري النوعي، فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تشغل مقاتلات F-35 حاليًا، وترى أن أي توسع إقليمي في امتلاك هذه الطائرة يجب أن يخضع لحسابات دقيقة.

ثانيًا: القلق من صعود تركيا كقوة إقليمية مستقلة؛ لا تنظر إسرائيل إلى الطائرة فقط، بل إلى النموذج التركي ككل، خاصة مع امتلاك أنقرة قاعدة صناعية دفاعية متطورة ولهذا ترى تل أبيب أن تعزيز القدرات العسكرية التركية قد يؤدي إلى تغيير نسبي في ميزان القوى الإقليمي.

لكن واشنطن تنظر إلى الملف من زاوية مختلفة؛ فهي ترى استراتيجياً؛ أن دمج تركيا بشكل أكبر داخل المنظومة الغربية قد يكون أفضل من دفعها نحو مزيد من الاستقلال الاستراتيجي أو التقارب وتعزيز المصالح المشتركة مع روسيا.

ويلعب الناتو دوراً مهماً في ادارة الصراع ، رغم أهمية تركيا داخل الحلف، فإن الناتو لا يريد ولا يستطيع أن يكون طرفًا مباشرًا في الخلاف بين تركيا  وإسرائيل.

كما يدرك الناتو أن تحول سوريا إلى جبهة مواجهة بين قوتين إقليميتين سيخلق أزمة أمنية جديدة في منطقة حساسة.

وعليه، فإن الاتجاه الأكثر ترجيحًا سيكون دعم آليات لمنع سوء التقدير ومنع الانزلاق لاحتكاك عنيف، برعابة وتنسيق أمريكي كامل.

هذا السيناريو يبدو الأكثر واقعية، إذ قد تسعى واشنطن إلى إنشاء ترتيبات شبيهة بآليات منع الاشتباك التي استخدمت سابقًا في مناطق نزاع مختلفة وقوامها؛ بناء خط اتصال مباشر بين العسكريين الأتراك والإسرائيليين وتبادل المعلومات لمنع الحوادث غير المقصودة، كذلك، تفاهمات حول العمليات الجوية في سوريا وتحديد مناطق الحركة والنفوذ.

يمكن القول إن المشهد الحالي يعكس دخول المنطقة مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي، عنوانها الصراع على قواعد النفوذ في سوريا والشرق الأوسط الجديد، بين اسرائيل وتركيا تقف الولايات المتحدة أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على تركيا داخل المنظومة الغربية، وضمان أمن إسرائيل، ومنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة بين حليفين مهمين لواشنطن؛ فالمرحلة المقبلة، مرحلة اختبار لقدرة القوى الكبرى على إدارة التنافس ومنع انزلاقه إلى صدام.

>