
2026-08-11 08:05
هذا المقال ليس موجهاً ضد أحد، ولا يهدف إلى التقليل من شأن أي قوة سياسية أو وطنية. هو مساهمة في نقاش أعتقد أنه يجب أن يبدأ من النقد والمساءلة، لا من المجاملة. فمن يطلب ثقة الناس من جديد، عليه أولاً أن يشرح ماذا فعل عندما كانت هذه الثقة في يده، وماذا أنجز، وأين أخفق، ولماذا ينبغي أن يُمنح فرصة جديدة. وهذا كله على افتراض أن الانتخابات ستُعقد فعلاً في الأرض الفلسطينية المحتلة، وهو أمر لا أتعامل معه هنا باعتباره يقيناً أو استحقاقاً محسوماً، بل احتمالاً يستحق النقاش والاستعداد له.
وقبل الدخول في الحديث عن القوائم والتحالفات والبرامج، من الضروري الاتفاق على مسألة أساسية، وهي أن المجلس التشريعي، في ظل الاحتلال، ليس مؤسسة مُكلّفة بتحرير فلسطين، ولا يملك أصلاً أدوات إنجاز التحرر الوطني. سقفه محكوم بواقع الاحتلال وبحدود النظام السياسي القائم. ولذلك لا معنى لأن تمتلئ البرامج الانتخابية بخطابات البطولة والتحرير والمزايدات الوطنية التي لا يملك المجلس أدوات تنفيذها. المطلوب من القوائم أن تقول للناس بوضوح ماذا ستفعل بشأن البطالة والفقر، والتعليم والصحة، والضرائب، والأسعار، والحريات، والفساد، والضمان الاجتماعي، وحقوق العمال، واستقلال القضاء، والرقابة على الحكومة، وحماية المال العام. هذه ليست قضايا صغيرة أمام القضية الوطنية؛ بل هي جزء من قدرة الناس على البقاء والصمود في الأرض الفلسطينية المحتلة.
بدأ الحديث عن كتل سياسية وانتخابية جديدة، وعن تحالفات وطنية ويسارية وديمقراطية، وبرامج للعدالة الاجتماعية والصمود والتغيير. كل هذا يبدو جيداً على الورق، لكن السؤال الذي يجب أن يسبق أي حديث عن المستقبل هو ماذا فعلت هذه القوى، على الأقل، منذ عام 2006؟.
أين كانت عندما ترسخ الانقسام وتحول من أزمة سياسية إلى واقع دائم؟ ماذا فعلت عندما تعطلت الحياة التشريعية، وغابت الانتخابات، وتراجعت الحريات، وتآكلت المؤسسات، واتسعت البطالة والفقر، وتعمقت الفجوة بين المجتمع والطبقة السياسية؟ وأين كانت عندما أصبح قطاع واسع من الشباب يرى السياسة فضاءً مغلقاً، تديره الوجوه نفسها وتعيد إنتاج نفسها مرة بعد أخرى؟.
لا يجوز أن يبدأ التاريخ من الصفر مع كل انتخابات. ومن كان جزءاً من النظام السياسي طوال هذه السنوات لا يستطيع أن يعود اليوم ليقدم نفسه باعتباره مراقباً خارجياً لأزمته. من شارك يتحمل مسؤوليته، ومن صمت يتحمل مسؤوليته، ومن قبل باستمرار الخلل حفاظاً على موقع أو امتياز أو توازن سياسي يتحمل نصيبه أيضاً. فالسياسة ليست فقط ما نفعله، بل ما نسكت عنه حين يكون السكوت جزءاً من استمرار المشكلة.
ومن غير المقنع أن تتحدث قوى سياسية عن الديمقراطية وتداول السلطة بينما تبقى قياداتها في مواقعها لعقود. كيف سيغير المجتمع من لم يستطع تغيير نفسه؟ وكيف يمكن لمن يحتكر موقعاً حزبياً سنوات طويلة أن يقنع الناس بأنه ذاهب لمحاربة احتكار السلطة؟ والأكثر مدعاة للسخرية أن التغيير الداخلي، عندما يحدث، يكون أحياناً مهندساً سلفاً، مضبوطاً على مقاس القيادات والتوازنات القائمة؛ تتغير أسماء، لكن مراكز القوة تبقى، وتتبدل الواجهة بينما تستمر آليات القرار نفسها. عندها لا نكون أمام تداول حقيقي للقيادة، بل أمام إعادة إنتاج لها بطريقة أكثر أناقة.
والمشكلة لا تتوقف عند رأس التنظيم. من يرى الفساد أو المحسوبية أو الترهل داخل حزبه أو مؤسسته ويتغاضى عنه، كيف سيقنع الناس بأنه سيحارب الفساد في المؤسسات العامة؟ ومن يصمت عن تجاوزات الداخل حفاظاً على الموقع أو العلاقة أو "الوحدة التنظيمية"، يصعب أن يتحول فجأة إلى حارس للنزاهة في المجال العام. مكافحة الفساد تبدأ من القدرة على مواجهته حين يكون قريباً منك، لا حين يكون عند خصمك فقط.
ولا ينبغي أن تُعفى المؤسسات الرسمية أو الأهلية من المعيار نفسه. لدينا مناصب وألقاب ورواتب وامتيازات وموازنات كبيرة، لكن السؤال ليس كم مؤسسة لدينا ولا كم مسؤولاً فيها، بل ماذا تحقق للناس؟ ومن بقي في موقع عام سنوات طويلة من دون إنجاز يمكن قياسه، لا يملك حقاً تلقائياً في أن يقدم نفسه مرة أخرى باعتباره الحل.
وإذا جرت الانتخابات فعلاً، فالسؤال ليس فقط: من سننتخب؟ بل أيضاً: من لم يعد منطقياً أن ننتخبه؟ لا نريد إعادة تدوير النخب نفسها داخل قوائم تحمل أسماء جديدة، ولا نريد شباباً ونساءً يُستخدمون لإضفاء شكل حديث على بنية قديمة، ولا برامج انتخابية مليئة بوعود يعرف أصحابها مسبقاً أنهم لا يملكون أدوات تنفيذها.
ولا معنى لأن تمتلئ القوائم بالشباب والخريجين والعمال والمزارعين والمهنيين والاقتصاديين والقانونيين إذا كانوا مجرد واجهات انتخابية لقوى وقيادات قديمة، يُدفع بهم إلى الأمام بينما يُحرك القرار من الخلف. المطلوب ليس وجوهاً شابة تنفذ ما يُملى عليها، بل أشخاصاً يملكون استقلالاً سياسياً وقدرة على الاعتراض والمحاسبة وصياغة القرار. وإلا تحول "التجديد" إلى حيلة جديدة لإعادة إنتاج القديم بوجوه أصغر سناً.
وكذلك رجال الأعمال؛ فالمجتمع لا يحتاج إلى من يكتشف همومه في موسم الانتخابات. المسؤولية الاجتماعية ليست تبرعاً عابراً ولا صورة إعلامية، بل موقف دائم من حقوق العاملين، والأجور، والبطالة، والضرائب، والخدمات وكرامة الناس.
ولا يكفي أيضاً أن ترفع قائمة انتخابية شعار الاقتصاد الاجتماعي أو التضامني أو التعاوني. السؤال أبسط وأكثر صراحة: من يستفيد من الاقتصاد؟ ومن يدفع ثمن أزماته؟ ومن يحصل على الامتيازات؟ ومن يتحمل الضرائب وارتفاع الأسعار وتراجع الدخل؟ لا قيمة لخطاب عن العدالة الاجتماعية إذا ظل العامل والموظف الصغير والعاطل عن العمل هم الحلقة الأضعف، بينما تظل مراكز القوة الاقتصادية بعيدة عن المساءلة.
وهنا تحديداً لا تنفصل القضية الوطنية عن القضية الاجتماعية. لا يمكن أن نطالب الناس بالصمود بينما تتدهور شروط حياتهم عاماً بعد آخر. الصمود ليس شعاراً وطنياً يطلب من الفقراء وحدهم أن يدفعوا ثمنه. الصمود يحتاج إلى عمل ودخل وتعليم وصحة وعدالة وخدمات وكرامة وأمل بالمستقبل. ومن يريد تعزيز صمود الناس عليه أن يجعل حياتهم قابلة للاستمرار، لا أن يكتفي بمطالبتهم بالمزيد من الاحتمال.
لهذا فإن المشكلة ليست في تشكيل تحالف جديد بحد ذاته، وإنما في مضمون هذا التحالف وما إذا كان يحمل تغييراً حقيقياً أم يعيد ترتيب القوى القديمة في صورة جديدة. فإذا اجتمعت القوى نفسها، بالعقليات نفسها، والقيادات نفسها، وآليات العمل نفسها، فلن يصنع الاسم الجديد سياسة جديدة. جمع القديم لا ينتج بالضرورة جديداً.
أي كتلة سياسية تريد أن تكون مقنعة يجب أن تبدأ من الاعتراف لا من الدعاية: أين أخطأنا؟ أين فشلنا؟ أين صمتنا؟ ماذا فعلنا عندما كان بإمكاننا أن نفعل أكثر؟ وما الذي سيتغير هذه المرة في القيادة والبنية وطريقة اتخاذ القرار والبرنامج والممارسة؟
لا نريد جلد الذات، ولا نطالب أحداً بإنكار تاريخه أو دوره. نريد فقط كشف حساب. فالناس لا تطالب بمعجزات، لكنها تملك الحق في أن تعرف لماذا أخفقت القوى التي تتقدم إليها اليوم طالبة ثقتها، وما الضمانة ألا يتكرر الإخفاق نفسه تحت اسم جديد.
وبعد نحو عشرين عاماً من انتخابات 2006، لا ينبغي أن يكون السؤال الذي يشغل القوى السياسية فقط: كيف نفوز في الانتخابات المقبلة؟ السؤال الأهم والأصعب هو: لماذا ينبغي للناس أن تثق بنا مرة أخرى؟
ومن لا يملك جواباً سياسياً وأخلاقياً مقنعاً عن هذا السؤال، فلن تنقذه قائمة جديدة، ولا تحالف جديد، ولا برنامج أكثر أناقة. لأن تغيير اللافتة لا يغير الممارسة، وإعادة إنتاج الماضي بوجوه وشعارات جديدة لا تصنع تغييراً، بل تؤجل الأزمة إلى جولة أخرى.