تآكل الأجور بالدولار في اقتصاد الشيكل: من يتحمّل كلفة تقلبات العملة


Case

2026-05-04 06:56

Copy Link

ان ما يجري اليوم ليس هبوطاً عابراً في سعر الدولار ، بل هبوط في سقف العدالة داخل مؤسساتنا.

فالموظف الذي يتقاضى راتبه بالدولار لم يخسر بسبب قرار اتخذه، بل بسبب منظومة كاملة قررت وبصمت الهول أن تحمّله وحده الكلفة.

بداية، لا  بد من التوضيح ان ما يحدث للدولار هو ليس “انهياراً” تقنياً داخل إسرائيل، بل تراجعاً ملموساً أمام الشيكل خلال الفترة 2024–2026. فبعد أن كان سعر صرف الدولار قريباً من 3.6–3.7 شيكل، هبط في مراحل لاحقة إلى حدود 2.9–3.1، نتيجة عوامل متعددة من بينها تدخلات بنك إسرائيل وسياسات نقدية وظروف سوقية أوسع. لكن الخلاصة العملية ليست في “تفسير السوق”، بل في أثره: فالموظف الذي يتقاضى راتبه  بالدولار فقد ما يقارب 15–20% من قوته الشرائية، في وقت تُسعَّر فيه الحياة كلها بالشيكل وهي اخذة بالارتفاع الجنوني  بلا توقف! وعلى سبيل المثال كانت  الألف دولار تترجم فعليا إلى 3600 شيكل،

واليوم بالكاد تعني 2900 وبالنتيجة 700 شيكل تختفي من جيب الموظف كل شهر من دون اي اجتماع طارئ، من دون بيان، اي استنكار اي تظلم اي اسماع صوت او حتى اعتراف بالخسارة الفادحة .

وفي المقابل؟ الصورة واضحة لنا  بلا أقنعة:

* الإيجارات ثُبّتت بالشيكل… وارتفعت.

* العقود تحصّنت بالشيكل… وأُغلقت.

* الأسعار قفزت… وتكيّفت بسرعة مع “الواقع الجديد”.

* العقارات ربطت بالشيكل على حساب ٣،٦ و ٣،٧

* الوقود والمواصلات  والكهرباء ربطت بالشيكل

والجميع  أعاد التموضع بشكل تلقائي ودون أي تدخل إلا الموظف الغلبان والذي بقي وحده مكشوفاً، يتلقى الضربة كل شهر، ويُطلب منه أن “يتفهم الظروف” بصمت الهرم وقبول الهزيمة  ضمنا ودفع ثمن البقاء والثبات و الصمود

السؤال لم يعد: ماذا حدث بل السوال الأصح هو ماذا حدث قبل قُبل أن يحدث كل ما يحدث ؟ بمعنى هل لأن الموظف ضعيف لا حماية له ، ولا ضمان ، ولا كلمة ولا صوت ولا ظهر وخائف؟

الجواب نعم ، وبقوة الطوفان اجزم ان الخوف عند الموظف حاضرا في غياب النقابات التي من المفروض ان تومن للموظف الحماية والضمان والأمن الوظيفي والاستقرار وتكون له ظهرا وسندا وكلمة وصوتا .

ولكن الأخطر من ذلك كله: أن الصمت تمركز وتأصل حتى بدأ يبدو طبيعياً ، حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس، والظلم في الجماعة عدل، وحبط حيط يا رب توصلني عالبيت فالصورة حولنا قاتمة والموظف العام صمت والعامل الذي منع من الدخول إلى الداخل المختل صمت والموظف بلا عقد منصف صمت ، والمرأة صمتت ونصف مليون عاطل عن العمل صمتوا  ، وذوي الإعاقة صمت وحين يصبح "غير العادل طبيعياً" لان المبدأ اصبح الموت مع الجماعة رحمة تبدأ الكرامة بالتآكل بهدوء حتى تنتهي بما انتهينا اليه للأسف الشديد.

دعونا نسمي الأمور بلا تجميل: ما يحدث هو نقل منظم للمخاطر من المؤسسة ومن المشغل ومن المتصرف إلى الفرد فحين تستقر السوق، تستفيد المؤسسة المشغلة وحين تضطرب السوق، وخده الموظف يدفع الثمن وهو صامت ساكت لا حول له ولا قوة

احبني، هذه ليست إدارة مخاطر هذه إدارة على حساب  الناس الغلابة ليظل السؤال الأكثر إيلاماً: لماذا كل هذا الصمت؟

أستغرب، وأكاد لا أصدق هذا الصمت الثقيل، هذا الخوف الذي تحوّل إلى سلوك يومي مقبول ومفضل ، وهذا التنازل التدريجي عن حق بديهي: فالعدالة في الأجر والإنصاف في مواجهة تقلبات السوق لا يد للموظف فيها لكن ومع كل هذا هو وحده يدفع الثمن عاليا من جيبه ومن صحته ومن شعوره بالراحة والامان والاستقرار الوظيفي لان لا ظهر له ولا سقف يحميه وأسرته ولا أحد يسمع صوته ليصبح ظل موظف ، برغي في آلة عصرية تعمل بصمت .

نعم، هكذا يترجم الخوف وكلنا نعرف أن كلمة “فصل” ليست سهلة، لكن ما لا يُفهم أن يتحوّل الخوف إلى قاعدة، والصمت إلى ثقافة، والخسارة إلى قضاء وقدر ونصيب .

ولأن الحقيقة التي لا تُقال بصوت عالٍ هي ان هذا الصمت مريح جداً للطرف الأقوى، صاحب العمل او المشغل في كثير من الحالات والذي لا يمانع اطلاقا هذا الواقع، بل يستفيد منه بثقة وبصمت موازٍ لانه يعرف أن الموظف حين يتكلم، سيكون الجواب جاهزاً ومكرراً: "اشكر الله انك لسا بتشتغل" و “الباب مفتوح… وإن لم يناسبك الوضع، هناك مئات بل آلاف ينتظرون" و " هيكم شايفين الوضع شوفوا اهل غزة شو بصير فيهم"

فهذه ليست جمل عابرة وانما هذه معادلة قوة مختلة تُدار على حساب الخوف الجماعي.

لكن ما يغيب عن هذا المنطق أن: الاستقرار الذي يُبنى على الخوف… هشّ، والإنتاجية التي تُبنى على القلق… مؤقتة، والمؤسسة التي تعتاد على صمت موظفيها… تفقد ببطء أهم ما تملك: الانتماء.

اتسائل حقا وامانة هنا عن دور النقابات العمالية فأين النقابات؟ وإن كانت موجودة، فهذا سبب وجودها ولحظة وجودها وقوام تكوينها وإن كانت صامتة هي ايضا ، فالصمت هنا موقف وطني واضح .

وأين الإدارات ومجالسها الانيقة والعادلة والرائدة والرشيدة والمؤثرة في قرارات العدالة الاجتماعية والتنمية واحقاق الحقوق والأمن والامان والاهم ، الكرامة الإنسانية إن كانت تتحدث عن “حوكمة” "حكم رشيد" و "شمولية " و "شفافية" و“استدامة” و "حقوق" و "تحقيق العدالة " و " رؤية عادلة " و "صمود" و "استقلال" و " ووطن" و "دولة "  فهذه اللحظة هي التي تُختبر فيها كل هذه العبارات والكلمات القوية والرنانة والمتكررة  لفظا وقولا وكتابة وإعلاما في كل المناسبات

المطلوب اخوتي ليس مواجهة… أنا لست بمحرض لكن ضميري المهني وعلومي ومعرفتي بسوق العمل وواقع المال والأعمال واعلاء صوت الحق والعدل يجبروني على كسر حاجز الصمت المهيب والمعيب  والمطالبة نيابة عن الصامتين من الموظفين بان يكون هناك توازن في هذه المعضلة ، عين تقرأ منشوري هذا وتسمع صوتي ان كان أصلا هنالك صوت : المطلوب

* ربط عادل بسعر صرف مرجعي،

* أو دفع جزء من الراتب بالشيكل،

* أو تعويض فروقات العملة،

* أو مراجعة دورية للأجور مرتبطة بالواقع.

هذه ليست مطالب عالية السقف بل حدّ أدنى من العدالة المهنية في حق اصحاب الفصل في الانتاج والإنتاجية وتحقيق النجاح والأرباح ، الموظفين، والرسالة الأهم للموظف وبهدوء، ولكن بصدق: الصمت مفهوم على المدى القصير والمتوسط ولكنه ليس حلاً طويل المدى والخوف في هذه الظروف الاصعب مشروع، ولكنه لا يجب أن يكون هو سيد الموقف إلى الأبد لأن الخسارة التي تتكرر كل شهر سوف تصبح مع الوقت “وضعاً دائماً” ثم تتحول إلى “حق مكتسب” للطرف الأقوى.

هذه ليست دعوة للصدام وانما هذه دعوة لاستعادة التوازن وأن يُقال: كفى بطريقة مهنية، جماعية، محسوبة.

أن تتحول الشكوى الفردية إلى موقف جماعي وأن يُفتح النقاش داخل المؤسسات قبل أن يُفرض من خارجها.

وفي النهاية: الموظف لا يحتاج أن يصرخ لكنه يحتاج أن لا يصمت إلى الأبد لأن الصمت الطويل لا يحمي الوظيفة بل يغيّر شكلها، حتى لا تعود تشبهك

اللهم اشهد اني بلغت

كلمة حق في وقت صعب

>