بين صراع السرديات وضغوط التمويل... من يصوغ ذاكرة الأجيال؟


Case

2026-07-18 19:21

Copy Link

لا تخوض الشعوب الواقعة تحت الاحتلال معركتها في الميدانين السياسي والعسكري فحسب، بل تخوض في الوقت ذاته معركة لا تقل خطورة على الوعي والذاكرة والهوية الوطنية.

فالتعليم ليس مجرد أداة لنقل المعرفة، بل هو الإطار الذي تتشكل من خلاله شخصية الإنسان، وتتحدد علاقته بتاريخه ووطنه ومستقبله.

ومن هنا، فإن أي تدخل في المناهج الفلسطينية، في ظل استمرار الاحتلال، لا يمكن التعامل معه باعتباره شأناً تربوياً أو فنياً، بل هو قضية سيادية تمس جوهر المشروع الوطني، وتزداد خطورته عندما يُمرر تحت عناوين فضفاضة مثل "الإصلاح" أو "الحفاظ على المشروع الوطني"، بينما يطال في حقيقته الركائز الفكرية والهوية التاريخية للشعب الفلسطيني.

إن ربط تعديل المناهج بما يسمى "متطلبات الإصلاح" أو اشتراطات استمرار الدعم المالي ينقل القرار الوطني من المؤسسات الفلسطينية إلى إرادة الممول والضغوط السياسية الخارجية.

والتجربة مع الاحتلال والدول الداعمة له تؤكد أن التنازلات لا تؤدي إلى تخفيف الضغوط، بل تفتح الباب لمطالب جديدة ومتزايدة. وكما يقول المثل الشعبي: "يطلب اليد، ثم الذراع، ثم الرأس، حتى لا يبقى شيء". فكل تنازل يتحول إلى نقطة انطلاق لتنازل آخر، بينما يستمر الاحتلال في انتهاك القانون الدولي، ورفض تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، ومواصلة سياسات الاستيطان والضم والتهجير والحصار دون مساءلة حقيقية. وكان الأجدر بالمجتمع الدولي أن يوجه ضغوطه نحو إلزام دولة الاحتلال باحترام القانون الدولي وإنهاء احتلالها، لا أن يطالب الشعب الواقع تحت الاحتلال بإعادة صياغة وعيه وتاريخه بما ينسجم مع رواية القوة القائمة بالاحتلال.

ولا يقل خطورة عن ذلك محاولة تمرير هذه السياسات بقرارات فردية، تحت شعار "المصلحة الوطنية"، في تجاوز واضح للإرادة الشعبية ومبدأ الشراكة الوطنية. فالمصلحة الوطنية لا تُبنى على تقديم تنازلات تمس الهوية والذاكرة الجماعية، وإنما على صون القرار الوطني المستقل، وتعزيز الوحدة الوطنية باعتبارها الضمانة الحقيقية لمواجهة الضغوط الخارجية وحماية حقوق الأجيال القادمة. لقد أثبتت تجارب الشعوب التي ناضلت ضد الاستعمار أن الحفاظ على الرواية الوطنية كان ركناً أساسياً في مسيرة التحرر.

ففي الجزائر ظلت ذاكرة الثورة جزءاً أصيلاً من العملية التعليمية، وفي جنوب أفريقيا لم يؤدِ إنهاء نظام الفصل العنصري إلى طمس تاريخ المقاومة، بل جرى ترسيخه باعتباره أساساً للحقيقة والعدالة والمصالحة، كما اعتمدت فيتنام التعليم وسيلة لترسيخ الهوية الوطنية واستحضار تضحيات أجيال المقاومة. وفي المقابل، تكشف تجارب الاستعمار أن السيطرة على التعليم كانت دائماً إحدى أهم أدوات إعادة تشكيل وعي الشعوب وإنتاج أجيال تتعامل مع الاحتلال باعتباره أمراً واقعاً، لا مشروعاً يجب إنهاؤه.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: أي مواطن فلسطيني نريد أن نصنع؟ هل نريد جيلاً يعرف تاريخه، ويتمسك بحقوقه التي كفلها القانون الدولي، ويؤمن بأن الحرية والاستقلال حق قابل للتحقق؟ أم جيلاً يعتاد التعايش مع الاحتلال باعتباره قدراً دائماً، ويقتنع بأن أقصى ما يمكن فعله هو التكيف مع موازين القوة؟ إن أخطر ما قد يصيب أي حركة تحرر هو انتقالها من مشروع يسعى إلى إنهاء الاحتلال إلى مشروع يربي الأجيال على التكيف معه. فوظيفة التعليم ليست إنتاج ذاكرة منقوصة، بل بناء جيل يمتلك المعرفة والوعي النقدي، ويستند إلى الحقيقة التاريخية.

ومن حق الشعب الفلسطيني، كما هو حق جميع الشعوب التي عانت الاستعمار، أن يدرّس أبناءه تاريخه كما جرى، وأن يوثق ما تعرض له من تهجير وقتل وتدمير واستيطان، وأن يحفظ أسماء مدنه وقراه المدمرة، ورموزه الوطنية، وشهدائه، وأسره، ونضالاته، باعتبارها جزءاً من ذاكرته الجماعية. فطمس هذه الحقائق أو إعادة صياغتها تحت ضغط سياسي لا يصنع سلاماً، بل يصنع قطيعة بين الأجيال وتاريخها. ومن غير المقبول أن يُطلب من الفلسطيني وحده إعادة كتابة روايته التاريخية، بينما تستمر الرواية الإسرائيلية الرسمية في تكريس المشروع الاستيطاني، دون مساءلة دولية حقيقية للمضامين التي تبرر الاحتلال أو تنكر وجود الشعب الفلسطيني. فالمعايير الدولية تفقد مصداقيتها عندما تُطبق على الضحية وتتجاهل الطرف القائم بالاحتلال.

كما أن اختزال قضية الأسرى والشهداء ورموز الحركة الوطنية في بعدها الاجتماعي أو الإنساني فقط، مع إقصاء بعدها الوطني والتحرري، يؤدي إلى تشويه الرواية الفلسطينية ذاتها. فالأمم لا تبني هويتها بإنكار تضحياتها، وإنما بفهمها في سياقها التاريخي والسياسي، مع ترسيخ قيم العدالة والحرية واحترام القانون الدولي.

وتتحمل القيادة الوطنية مسؤولية مضاعفة في هذه المرحلة؛ فدورها لا يقتصر على إدارة الشأن العام، وإنما يمتد إلى حماية الوعي الوطني وصيانة الذاكرة الجمعية. وإذا كانت القيادة لم تنجح، لأسباب متعددة، في إنجاز أهداف الحرية والاستقلال وإقامة الدولة، فإن ذلك لا يبرر نقل ثقافة التكيف مع الاحتلال إلى الأجيال القادمة. فالمطلوب هو الحفاظ على الأمل، وتعزيز الإيمان بإمكانية التحرر، والبناء على التضحيات الوطنية باعتبارها رصيداً تاريخياً وأخلاقياً يقود نحو المستقبل، لا عبئاً ينبغي التخلص منه. وفي هذا السياق، فإن الدعوات إلى استبدال المناهج في الصفوف الأساسية الأولى بما يسمى "المصادر التعليمية المفتوحة"، استناداً إلى نماذج مثل فنلندا، تفتقر إلى مراعاة خصوصية الحالة الفلسطينية. ففنلندا دولة مستقلة تمتلك منظومة تعليمية متكاملة، ومؤسسات راسخة، وبرامج متقدمة لإعداد المعلمين، وتعمل في بيئة مستقرة تسعى إلى مزيد من الرفاه.

أما فلسطين، فما زالت تعيش تحت احتلال استعماري إحلالي يستهدف الأرض والإنسان والرواية التاريخية معاً. وفي مثل هذا الواقع، لا يجوز أن يُترك تشكيل وعي الأطفال لاجتهادات فردية أو لمصادر تعليمية غير موحدة؛ لأن السنوات الأولى من التعليم تمثل المرحلة الأكثر حساسية في ترسيخ الهوية الوطنية والانتماء والوعي بالتاريخ والحقوق. ومن هنا، فإن تطوير أدوات التعليم أمر مطلوب وضروري، لكن دون المساس بوحدة المرجعية الوطنية أو إضعاف الدور التربوي للمناهج في حماية الذاكرة الجماعية. إن حماية المناهج الفلسطينية لا تعني رفض التطوير أو الانغلاق أمام التجارب العالمية، وإنما تعني تطويرها وفق رؤية وطنية مستقلة تجمع بين المعايير التربوية الحديثة وتعزيز التفكير النقدي والانفتاح، وبين صون الثوابت الوطنية والحقائق التاريخية التي لا يجوز أن تصبح موضوعاً للمساومة السياسية أو المالية. ولهذا، فإن أي مراجعة للمناهج ينبغي أن تتم من خلال حوار وطني شامل تشارك فيه المؤسسات الأكاديمية والتربوية والقوى السياسية والمؤرخون وخبراء القانون الدولي، بعيداً عن الضغوط الخارجية أو القرارات المنفردة. فالمناهج ليست ملكاً لحكومة أو وزارة، وإنما هي ملك للشعب، لأنها تشكل ذاكرته، وتصوغ وعيه، وتحمي هويته، وترسم ملامح مستقبله.إن الدفاع عن المناهج الوطنية ليس دفاعاً عن نصوص جامدة، بل هو دفاع عن حق شعب ما زال يعيش تحت الاحتلال في أن يحافظ على روايته التاريخية، وأن ينقل ذاكرته الوطنية إلى أبنائه كما هي، بعيداً عن التشويه أو الإلغاء، بما يعزز قيم الحرية والكرامة والعدالة، ويؤسس لأجيال تؤمن بأن الاحتلال ليس قدراً، وأن الاستقلال والسيادة سيبقيان الهدف الذي لا يسقط بالتقادم ولا بالتنازل.

>