
2026-04-09 11:27
في الشرق الأوسط، لا تُقاس الأزمات فقط بعدد الصواريخ أو حجم الخسائر الاقتصادية. هناك مقياس آخر أكثر دقة، لكنه أقل حضورًا في الخطاب العام: كيف يشعر الإنسان وهو يعيش هذه الأزمات؟
هذا السؤال، البسيط في ظاهره، يكشف تعقيدًا عميقًا حين نضعه في سياق مقارنة بين واقعين مختلفين — الفلسطيني والإسرائيلي. ومن اللافت أن هذه المقارنة لا تقوم على بيانات متباعدة زمنيًا، بل على استطلاعين أُنجزا في الفترة نفسها تقريبًا، مع بداية شهر نيسان/أبريل 2026، ما يمنحها قوة تحليلية إضافية.
ففي إسرائيل، نفذت شركة Inbal Yoeli Survey Boutiqueاستطلاعًا خلال الفترة 5-6 نيسان/أبريل 2026 على عينة ممثلة من 500 من البالغين، في ظل الحرب الجارية مع إيران. أما في فلسطين، فقد أجرى المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي العام (PCPO) استطلاعًا خلال الفترة 30 آذار/مارس – 8 نيسان/أبريل 2026 على عينة ممثلة من 300 فلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
أي أننا لا نقارن بين زمنين مختلفين، بل بين واقعين يعيشان اللحظة نفسها — ولكن في ظروف مختلفة تمامًا.
النتائج الإسرائيلية لا تترك مجالًا كبيرًا للتأويل. حين يقول 81% من الإسرائيليين إنهم تأثروا شخصيًا بالحرب، فإننا أمام صدمة جماعية مباشرة. الأرقام أكثر وضوحًا 37% تأثروا نفسيًا، و37% اقتصاديًا، وثلث المجتمع يعاني من تدهور في علاقاته الاجتماعية. الحرب هنا ليست خبرًا، بل تجربة يومية.
لكن المفارقة تظهر بوضوح في الحالة الفلسطينية. هنا، لا توجد "لحظة صدمة" واحدة. لا حرب جديدة تُعرّف اللحظة. بدلًا من ذلك، هناك ضغط بطيء ومتراكم.
وحين يقول 57.7% من الفلسطينيين إن وضعهم الاقتصادي سيئ أو سيئ جدًا، و59% يعيشون بدخل أقل من 2000 شيكل، قد يبدو الأمر اقتصاديًا بحتًا. لكن الحقيقة أعمق. فحين يصرّح 43.3% بعدم رضاهم عن حياتهم، فإننا أمام أزمة تتجاوز الاقتصاد إلى ما هو أخطر: أزمة في الإحساس بالاستقرار والمعنى.
هنا يكمن الفرق الحقيقي.
في إسرائيل، الأزمة تُفرض من الخارج وتُعاش بشكل مباشر.
في فلسطين، الأزمة تتسلل إلى الداخل وتُعاد صياغتها نفسيًا.
وهذا ما يجعل المقارنة أكثر تعقيدًا — وأكثر أهمية.
فليس كل ضغط يُقاس بشدته اللحظية، ولا كل معاناة تُقاس بوضوحها الإعلامي. أحيانًا، يكون الضغط الصامت أكثر عمقًا من الصدمة الصاخبة.
ومع ذلك، النتيجة في الحالتين واحدة:
إنسان يفقد تدريجيًا إحساسه الطبيعي بالحياة.
ما تكشفه هذه البيانات ليس مجرد واقعين منفصلين، بل صورة أوسع لمنطقة يعيش فيها الناس بين نوعين من الأزمات:
🔹 أزمات تضرب فجأة
🔹 وأزمات تتراكم بصمت
وفي الحالتين، يدفع الإنسان الثمن.
ربما المشكلة الأكبر في الخطاب العام هي أنه لا يرى هذا الإنسان. يتم الحديث عن "الأمن" و"الاقتصاد" و"السياسة"، لكن نادرًا ما يُطرح السؤال الأهم:
ماذا يحدث للناس من الداخل؟
فالناس لا يستجيبون لما يحدث فقط، بل لما يشعرون به تجاه ما يحدث.
وهذا ما يفسر لماذا لا يكون الفقر وحده سببًا للهجرة، ولماذا لا تكون الحرب مجرد حدث أمني. في النهاية، كل شيء يمر عبر التجربة الإنسانية.
قد تختلف أسباب الأزمات — اقتصاد هنا، حرب هناك — لكن أثرها يلتقي عند نقطة واحدة:
تفكيك الإحساس بالاستقرار.
وفي عالم تتزايد فيه الضغوط، ربما آن الأوان لتغيير السؤال:
ليس: ماذا يحدث في المنطقة؟
بل:
ماذا يحدث للإنسان الذي يعيش فيها؟
.........................................
*د. نبيل كوكالي هو المؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاعات الرأي العام (PCPO) منذ عام1994، ويتمتع بخبرة واسعة في تحليل الرأي العام وتأثيراته في سياقات الصراع والسياسات العامة.