بعد عشرين عاماً على بدء إصلاح قطاع الأمن أي إصلاح مستدام لقطاع الأمن نريد! (الجزء الثاني)


Case

2025-05-10 06:43

Copy Link

 جهاد حرب

(1)  الإصلاح المؤسسي

يتضمن هذا الجانب خمس مسائل رئيسية؛ الأولى: تنظر في مجمل المؤسسات المُشكلة لقطاع الأمن بحيث ينبغي النظر إلى مسألة إعادة دمج عدد من الأجهزة الأمنية بما يحقق الانسجام في العمل ومنع تضارب الصلاحية. وفي هذا الصدد تم في العام 2005 إصدار قانون الخدمة في قوى الأمن متوافق مع رؤية الرئيس محمود عباس في بداية عهده وهي: الأمن الوطني وقوى الأمن الداخلي بالإضافة إلى المخابرات العامة. لكن القرار بقانون المعدل لقانون الخدمة لقوى الأمن لسنة 2024 أضاف جهازاً جديداً يتمثل بالحرس الرئاسي من جهة، وعدل في طبيعة المرجعية لبعض الأجهزة الأمنية من جهة ثانية. 

والثانية: النظر في الهيكليات التنظيمية للأجهزة والمؤسسات والهيئات العسكرية والأمنية؛ على مدار السنوات الماضية تم تحقيق تطور كبير في مسألة إقرار الهيكليات في الأجهزة الأمنية وضبطها ووضع الوصف الوظيفي بما ينسجم مع الوظائف المناطة بكل جهاز وهيئة أمنية وعسكرية. لكن على ما يبدو أن تراكم الرتب العسكرية السامية تآكلت هذه الهيكليات وباتت ضرورة إعادة النظر في استدامة العمل والتراتبية وفقا للقواعد العامة للتراتبية في الأجهزة العسكرية.

والثالثة: تتعلق بالرتب القيادية والإشرافية السامية لمنع استمرارية وجود الهرم المقلوب في المؤسسة الأمنية. بالرغم من عدم انتظام إصدار النشرة الخاصة بالترقيات لضباط وعناصر القوى الأمنية الفلسطينية، إلا أنّ مسألة تراكم الرتب العسكرية السامية بشكل واسع في الأجهزة الأمنية ساهم استمرار وجود الهرم المقلوب في المؤسسات الأمنية حيث أنّ عدد الضباط أعلى من عدد الأفراد وضباط الصف فيها. هذا الأمر ناجم عن مسألتين (1) استمرار المؤسسة الأمنية الاعتماد على خريجي الكليات العسكرية والشرطية سواء من جامعة الاستقلال أو الكليات بالخارج دون احتساب الأعداد اللازمة من جهة، والتعيين في فئة الضباط للأسرى والمعتقلين من جهة ثانية. (2) استمرار الترقيات بالاستحقاق الزمني دون إعمال نصوص القانون رقم 8 لسنة 2005 المتعلقة بالترقيات في الرتب السامية وفقاً لأحكام المواد 39 و40 و41 بالنسبة للمقدم والعقيد والعميد ونص المادة 42 من القانون الأصلي المتعلقة برتبة اللواء الأمر الذي خلق أعداداً كبيرةً في هذه الرتب.

والرابعة: استمرار تعيين رؤساء الأجهزة الأمنية والهيئات العسكرية من خارجها؛ تشير التعيينات لرؤساء الأجهزة الأمنية منذ العام 2007 إلى اليوم أنّ الرئيس عين أغلب رؤساء الأجهزة الأمنية سواء التابعة لوزير الداخلية أو التابعة للرئيس من خارج ذات الأجهزة الأمر الذي أصاب الضباط في الفئات العليا بالإحباط ما أدى إلى تراجع التنافسية بين الضباط أو السعي لتعظيم أعمالهم وانضباطهم؛ لغياب الأمل في الوصول إلى المرتبة الأسمى في ذات الجهاز. كما أنّه لم يتم وضع قواعد حوكمة واضحة لآلية تعيين رؤساء الأجهزة والهيئات الأمنية والعسكرية بما يعزز من نزاهة التعيينات في هذا المستوى من الرتب العالية في قطاع الأمن. 

 

الخامسة: تتعلق بالتمديد لرؤساء الأجهزة الأمنية؛ امتدت رئاسة بعض رؤساء الأجهزة الأمنية إلى حوالي 18 عشر عاماً في السنوات الأخيرة وآخر حوالي 16 عاماً، وبعضهم لثمانية سنوات الأمر الذي حال دون انتقال أو تولي عدد من الضباط في تلك الأجهزة الإدارة العليا. كما أن القرار بقانون رقم 7 لسنة 2024 بشأن تعديل قانون الخدمة في قوى الأمن رقم 8 لسنة 2005 يجيز بقرار من القائد الأعلى مد خدمة أيّ من الضباط من حملة رتبة اللواء فأعلى، بعد بلوغ سن الستين، لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، شريطة أنْ يكونوا ممن يشغلون إحدى الوظائف الآتية: 1. القائد العام وقائد قوات الأمن الوطني وقائد جهاز الاستخبارات العسكرية. 2. قائد الحرس الرئاسي. 3. مدراء عامون قوى الأمن الداخلي.

كما أنّ التمديد أو إطالة الفترة الزمنية لرؤساء الأجهزة الأمنية يحول دون التجديد في الرؤى ومواكبة التطورات الفنية والتقنية ويشيع جوا من الإحباط لدى كبار الضبط مما يقلل من المبادرات. هذا الأمر سيؤدي إلى بقاء رؤساء الأجهزة الأمنية لسنوات طويلة خاصة أنّ بعض من تم تعيينه في الموجة الأخيرة من تعيينات رؤساء الأجهزة الأمنية في بداية سنوات الخمسين من عمره.

 

التوصيات: أولاً: دمج عدد من الأجهزة الأمنية بما يحقق الانسجام في العمل ومنع تضارب الصلاحية. 1. دمج جهاز المخابرات والأمن الوقائي في جهاز معلوماتي رشيق ومهني وفعّال، حيث يتم توزيع ضباط وأفراد جهاز الأمن الوقائي على جهاز المخابرات العامة وجهاز الشرطة الفلسطينية وفقاً للتخصص، ومجال العمل، والمهام الموكلة لهم في أجهزتهم الأصلية حسب قانون الخدمة في قوى الأمن. 2. ضم جميع الأجهزة العسكرية في جهاز الأمن الوطني بما في ذلك جهاز الاستخبارات العسكرية وجهاز الحرس الرئاسي والهيئات العسكرية الأخرى.

ثانيا: إعادة النظر في الهيكلية الخاصة بالأجهزة الأمنية وتثبيت الدرجة الوظيفية "الرتبة العسكرية" مع الوصف الوظيفي في كل جهاز وهيئة عسكرية بعد عملية الدمج بما ينظم عملية وجود الراتب السامية في الأجهزة الأمنية ويحدد عددها لكل جهاز وهيئة بحيث تصبح ثابتة لا تزداد.  

ثالثاً: 1. إعادة النظر في آليات التعيين في المؤسسة الأمنية والعسكرية بتحديد الأعداد المرغوبة سنوياً من خريجي الكليات العسكرية والشرطية سواء جامعة الاستقلال أو الكليات بالخارج. 2. تغيير فئات الرتب عند البدء بالتعيين لخريجي الكليات بحيث تبدأ من رتبة مساعد بما يحقق القدرة على الاستفادة من الملتحقين بالأجهزة الأمنية في العمل الميداني مع تبني واعتماد نظاما ومستحقات مالية يمنحهم رواتب أو معاشاً موازياً لرتبة الملازم في النظام المالي القديم. 3. إعمال نصوص القانون المتعلقة بالترقيات في الرتب السامية وفقا لأحكام المواد 39 و40 و41 بالنسبة للعقيد والعميد ونص المادة 42 من القانون الأصلي 42 المتعلقة برتبة اللواء لمنع تفاقم أعداد الرتب العسكرية وبما ينسجم مع هيكلية كل جهاز وهيئة وحاجاتها. 4. ضرورة ربط ترقية الضباط من رتبة مقدم وحتى لواء بالاختيار بتوافر شروط "المؤهل والشاغر ". 5. اعتماد معايير المهنية والكفاءة في اختيار منتسبي الأجهزة الأمنية، وعدم تدخل منتسبيها أو مسؤوليها في السياسة.

رابعاً: 1. ضرورة إنشاء لجنة نزاهة التعيينات في قطاع الأمن مستقلة عن الجهاز التنفيذي ومن شخصيات وازنة برئاسة رئيس أو قاضي محكمة العليا وعدد آخر مشهود لهم بالنزاهة والمهنية يتم تعيينهم لفترة زمنية محددة للنظر في الترشيحات لنيل المناصب لرؤساء أو مدراء عامين في الأجهزة الأمنية والعسكرية 2. وجوب "مراعاة" تعيين رؤساء الأجهزة والهيئات الأمنية والعسكرية من منتسبي الجهاز والهيئة لتعزيز التنافسية بين الضباط في ذات الجهاز، وبذل الجهود من قبل الضباط من أجل نيل الاختيار على رأس الجهاز أو الهيئة.  

خامساً: ضرورة الالتزام بالمدد المحددة في قانون الخدمة المدنية لقوى الأمن والقوانين الخاصة للأجهزة الأمنية وأحكام المادة 42 من القانون رقم 8 لسنة 2005 بشأن الخدمة في قوى الأمن، وإلغاء التعديل الذي جرى بموجب القرار بقانون رقم 7 لسنة 2024 بشأن تعديل قانون الخدمة في قوى الأمن.

 

(2)  المرجعية السياسية "المرجعية المدنية لقطاع الأمن"

تعني المرجعية السياسية أن تكون الحكومة مسؤولة عن السياسة الأمنية ومرجعيتها وفقا للفلسفة القائمة على أنْ الجهات السياسية هي بالأساس ممثلة للشعب باعتبارها منتخبة مباشرة أو مصادق عليها من قبل الجهة المنتخبة التي تمثل إرادة المواطنين أو مفوضة نيابة عنهم، وأنْ تكون المؤسسة الأمنية خاضعة لإمرة السلطة السياسية بغض النظر عن اللون السياسي للحكومة، وتقوم بتنفيذ تعليماتها (لا تتدخل الأجهزة الأمنية في القرار السياسي، ولا يتولى رؤساء الأجهزة الأمنية مهام سياسية أو حزبية)، ويكون ولاء المؤسسة الأمنية ومنتسبيها للدستور، وتحافظ على النظام الديموقراطي، وتخدم مصلحة المواطنين.

هذا الأمر يعني أنْ وزير الداخلية ووزير الأمن الوطني هو أو هما المسؤولان عن أعمال المؤسسة الأمنية وفقاً لإرادة المشرع الفلسطيني في قانون الخدمة لقوى الأمن. فيما مفهوم القائد الأعلى لقوى الأمن الفلسطيني كما جاء في أحكام المادة 39 من  القانون الأساسي المعدل للسلطة الفلسطينية يعني سياقين؛ الأول: أنّه رئيس الدولة بغض النظر إنْ كانت له تجربة عسكرية أم لا، والثاني: أنّه صاحب الاختصاص في إعلان الحرب والسلم كما هو في السياق العالمي الذي أخذت منه هذه الصفة، حيث تشير إلى أنّ الجيش يتبع وزير الدفاع المسؤول أمام البرلمان أو يحصل على ثقة البرلمان، وكذلك تلك الأجهزة الأمنية المدنية مثل الشرطة والدفاع المدني، فيما المخابرات العامة تتبع إما للرئيس أو رئيس الحكومة الذي يكون على رأس السلطة التنفيذية المسؤول عن إعلان حالة الحرب والسلم وفقاً لطبيعة النظام السياسي. لكن التعديل الذي جرى بموجب القرار بقانون رقم 7 لسنة 2024 بشأن تعديل قانون الخدمة في قوى الأمن منح القائد الأعلى صلاحيات تنفيذية هي من اختصاص الوزير/ الوزراء المسؤولين أمام البرلمان، وهي تخالف أيضا مفهوم النص الوارد في المادة 39 من القانون الأساسي المعدل لعام 2003.  

 

التوصيات: 1. ضرورة إلغاء النصوص المتعلقة بالمرجعية للقائد الأعلى المنصوص عليها في القرار بقانون رقم 7 لسنة 2024 بشأن تعديل قانون الخدمة في قوى الأمن رقم 8 لسنة 2005.

2. إعادة مرجعية كافة المؤسسات الأمنية والهيئات العسكرية باستثناء جهاز المخابرات العامة للحكومة الفلسطينية عبر وزير / وزيري الداخلية والأمن الوطني.

 

>