
2026-07-18 10:05
تعتبر اعادة هندسة التدريب الصورة العصرية لحوكمة عمليات التدريب والتي قوامها (المدرب والمتدرب والفئة المستهدفة واعداد الحقيبة التدريبية واليات التقييم والاثر المتوقع من التدريب)، اضافه للعوامل التي تساعد على انجاح حوكة وهندسة تدريب تخلق تحول وجدارة سلوكيه أدائية تنعكس من خلال الاداء الفردي المتفاعل جماعيا لخلق فرق وتغير جوهري نوعي في الاداء من ثم النتائج والتي تظهر في صورة ومكانه وتميز المؤسسة ككل. من واهمها محور ثقافة المؤسسة أي كيف تنظر المؤسسة للتدريب وهل ترصد موازنات معقوله ومحور البيئة الادارية والقانونية (للأنظمة واللوائح الضابطة) وهل تنظم وتؤطر لتسهيل عمليات التدريب، اضافة الى محور الموازنات المرصودة وطنيا لعمليات التدريب كذلك محور وادماج خطط التدريب بالخطط العامة الاستراتيجية للمؤسسة، بالإضافة لمحور التقييم والتغذية الراجعة لمعايرة قياس الاثر التدريبي عبر قياس التأثير الفعلي في السلوك الفردي والمؤسسي، وهنا نتناول أحد اهم محاور هندسة التدريب وهو المدرب وكيف يحول المعرفة إلى صناعة تحول السلوكي، حيث يصبح المدرب جزءاً من عملية التعلم والتدريب لا مصدرها الوحيد."
لم يعد التدريب المهني المعاصر يُقاس بكمية المعلومات المقدمة، بل بقدرته على إحداث تحول سلوكي مستدام لدى المتدربين. فالعالم اليوم ينتقل من نموذج “التعليم كإلقاء” إلى نموذج “التعلم كخبرة”، حيث يصبح الإنسان هو محور العملية لا المحتوى، وكما يشير ديفيد كولب (David Kolb) في نظرية التعلم التجريبي:
“التعلم الحقيقي هو عملية تحويل الخبرة إلى معرفة؛” أي أن المعرفة لا تُنقل، بل تُبنى داخل التجربة.
أولاً: من المدرب إلى الميسر… تحوّل في الهوية لا في الدور فقط:
في النماذج التقليدية، يُنظر إلى المدرب بوصفه “مصدر المعرفة”، بينما يُعامل المتدرب كمستقبل سلبي، لكن هذا التصور أصبح متجاوزاً في أدبيات التعلم الحديثة.
يؤكد كارل روجرز (Carl Rogers) في التعلم المتمركز حول المتعلم: “التعلم ذو المعنى يحدث عندما يكون المتعلم مشاركاً، لا متلقياً، وهنا تتحول وظيفة المدرب من “شارح” إلى: (مصمم تجربة تعلم، محفّز للتفكير، شريك في بناء المعرفة)، أي أن المدرب لا يقف خارج العملية، بل يصبح جزءاً من النظام التفاعلي داخل القاعة.
ثانياً: من يتعلم أكثر… المدرب أم المتدرب؟
في فلسفة التدريب، السؤال الأكثر عمقاً ليس من يتعلم، بل كيف تحدث عملية التعلم للطرفين معاً. تشير أبحاث جون ديوي (John Dewey) إلى أن: “التعليم ليس إعداداً للحياة، بل هو الحياة نفسها؛” وبالتالي فإن كل تفاعل داخل القاعة هو عملية تعلم(تدريب) مزدوجة: فالمتدرب يتعلم المحتوى، والمدرب يتعلم من التفاعل، الاستجابات، وإعادة تشكيل أسلوبه.
ثالثاً: هل المشكلة في المتدربين… أم في الافتراضات المشكلة مسبقاً
أحد أكثر العوائق خفاءً في التدريب هو “الافتراضات المسبقة” التي يحملها المدرب، مثل: المتدرب لا يعرف، المتدرب أقل خبرة، المعرفة يجب أن تمر عبر المدرب فقط، لكن باولو فريري (Paulo Freire) يقول: في “تعليم المقهورين” يحذر من هذا النموذج قائلاً: “التعليم البنكي يحوّل المتعلم إلى وعاء فارغ يتم تعبئته. حيث في عديد من مؤسسات التدريب يتم املاء عناوين ومحتويات تدريبية محددة من المؤسسة المشرفة على التدريب ولا يسمح للمدرب الخروج بأبداع خارج نطاق اعرافهم وسياستهم التدريبية، او التشارك بالأهداف المتوخاة من هذا التدريب، كذلك لا يشارك المدرب اعداد التقييم او يطلع مسبقاً على نموذج التقييم (خلال وبعد نهاية التدريب والتقييم البعدي)، وكأن المؤسسة اطرت وشكل توقعات محدد لما سينتج عنه التدريب دون أي دور ابداعي تشاركي للمدرب او المتدربين، وهنا تكون كما البنك تودع لمعلومات كما هي لتخرج كما انت تريد كمؤسسة. (أحد المؤسسات قالت نحن نزودك بالمادة التدريبية وانت تدرب ونحن تقييم؟؟؟؟!!!).
في المقابل، النموذج الحديث يرى أن المتدرب: حامل معرفة، صاحب خبرة، شريك في إنتاج المعنى، وتغيير هذه الافتراضات يعني إعادة تصميم التدريب بالكامل.
رابعاً: تكلم اقل تفاعل أكثر فائدة أشمل:(يتكلم المدرب كثيراً يتعلم المتدرب أقل).
تشير الدراسات في علم النفس التربوي إلى أن التعلم الفعّال يرتبط بنسبة المشاركة وليس بالإلقاء؛ وهذا ما تؤكده نظرية التعلم النشط (Active Learning):أي كلما زاد التفاعل، زادت الفعالية، وكلما زاد الإلقاء، انخفض الاحتفاظ بالمعلومة
ولهذا تُستخدم اليوم نماذج مثل: التعلم القائم على المشكلات (Problem-Based Learning)، التعلم القائم على التجربة، التعلم التعاوني.
خامساً: المتدرب ليس فرداً… بل “نظام حياة كامل”:
وفقاً لعلم النفس التنموي عند أوري برونفنبرينر (Urie Bronfenbrenner) في نظريته البيئية: (الفرد يتشكل عبر أنظمة متداخلة من التأثير البيئي؛” هذه الأنظمة تشمل: الأسرة والمدرسة (النظام القريب)، المجتمع المحلي والانطباعات الاجتماعية، الإعلام والمؤسسات والقوانين، الثقافة العامة والقيم السائدة، الزمن والتجارب الشخصية)؛ وبالتالي فإن المتدرب لا يدخل القاعة “فارغاً”، بل يدخل محملاً بمنظومة كاملة من التأثيرات.
سادساً: من التدريب الخدمي إلى التدريب التحويلي (التنموي):
معظم البرامج التدريبية التقليدية تعتمد على “سد النقص”، مثل: مهارات مكتبية، كتابة السيرة الذاتية، مهارات تقنية محددة، وهذا ما يمكن تسميته التدريب الخدمي (Service Training). لكن الاتجاه الحديث في التنمية البشرية يشير إلى ضرورة الانتقال إلى: التدريب التحويلي (التنموي) (Transformational Training)؛ كما تقول ماري ميزيورو (Mezirow) في نظرية التعلم التحويلي:
“التعلم الحقيقي يحدث عندما يعيد الفرد تفسير خبراته ويغير إطار تفكيره،” أي أن الهدف ليس فقط المعرفة، بل: تغيير الإدراك، إعادة بناء المعنى، تطوير السلوك.
سابعاً: ما تحت السلوك… هو الحقيقة غير المرئية
في نظرية هرم السلوك؛ فان السلوك الظاهر (خجل، جرأة، نقد، توتر) ليس المشكلة، بل هو نتيجة ويؤكد علم النفس السلوكي المعرفي (CBT) أن: السلوك هو انعكاس مباشر للمعتقدات والانفعالات الداخلية، لذلك يجب على المدرب أن ينتقل من السؤال: “ماذا يفعل المتدرب؟” إلى: “لماذا يفعل ذلك؟” أي فهم: المعتقدات، التجارب السابقة الاتجاهات النفسية، القيم الداخلية.
ثامناً: بيئة التعلم بين الأمان والتحدي
تشير أبحاث مازلو (Maslow) إلى أن: “الأمان النفسي شرط أساسي للنمو، لكن في المقابل، التعلم يحتاج أيضاً إلى التحدي، لذلك فإن التدريب الفعال يقوم على توازن بين: الأمان النفسي (Psychological Safety) والتحدي المعرفي (Cognitive Challenge) والارتباط بالمعنى (جوهر الهدف من التدريب).
تاسعاً: المدرب الحديث “مصمم تجربة تعلم ام مغذي بنك معلومات”
في النماذج الحديثة، لم يعد المدرب ناقلاً للمعرفة، بل أصبح مصمم بيئة تعلم (Learning Designer)،( ميسر حوار (Facilitator)( محلل سلوك تعلم (Learning Analyst)، شريك في إنتاج المعرفة ، كما يشير إدغار ديل (Edgar Dale) في “مخروط الخبرة”: “نحن نتذكر ما نقوم به اكثر بكثير مقابل ما نقرأه؛” أي أن التجربة أهم من الشرح.
عاشراً: نموذج SOS في التدريب التحويلي
يمكن تلخيص التدريب الفعال في ثلاث ركائز:
- توجيه دون فرض (الدعم المستمر): S – Support
- تمكين المتدرب من الاكتشاف (الفرصة): O – Opportunity
- بيئة خالية من التهديد (الأمان النفسي): S – Safety
هذا النموذج الثلاثي الركائز يحول التدريب من “نقل معرفة” إلى منظومة نمو سلوكي متكامل. وهنا نتساءل معا: هل التدريب الحقيقي يحدث داخل القاعة… ام بعدها؟؟!!
كما يقول بيتر دراكر (Peter Drucker): “أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي صناعته.” وبالتالي فإن نجاح أي برنامج تدريبي لا يُقاس بما يحدث أثناء الجلسة، بل بما يحدث بعدها: هل تغير السلوك؟ هل تحسن الأداء؟ هل أصبح المتدرب أكثر قدرة على التأثير؟ هل حصل المتدرب على فرص جديدة اعلى مستوى مما كان عليه نتاج التدريب؛ إن مستقبل التدريب لا ينتمي إلى “المدرب المتحدث”، بل إلى المدرب المصمم للتجربة، والمشارك في التحول، والمحفز للتفكير النقدي والإبداعي.