
2025-06-10 10:21
مقدمة
مما لا شك أنّ كل دولة تُجسم مبدأ فصل السلطات في دستورها ووثائقها القانونية الأساسية عبر رسم معالم طبيعته كي تحتكم إليها عند وضع مؤسسات الدولة التشريعات وقراراتها المختلفة بما ينسجم مع قواعد المشروعية. أي بمعنى آخر، فإنّ جميع التشريعات والقرارات الصادرة عن أجسام الدولة القاضية بتنظيم السلط المنبثقة عن الدستور على أساس مبدأ فصل السلطات، بما فيها السلطة القضائية، محكومة بالانصياع التام للقواعد الدستورية وإلا فقدت دستوريتها ومشروعيتها، أو خرقت مبدأ سيادة القانون الركن الأساس الثاني في النظام الديموقراطي.
السياسيون الفلسطينيون عادة منبهرون بالشكليات الرمزية لسيادة الدولة وتفخيم مسميات مؤسساتها في محاولة لإشباع الهوس الدولاني دون النظر للتفاصيل الدستورية الحاكمة لإنتاجها وانتاجيتها، أو الحاجة المجتمعية إليها أو تكلفتها وأعبائها، أو الضرورة المؤسسية وتأثيرها على المبنى المؤسسية للدولة وأركانها. إنَّ مسألة خيارات تبني إحدى العائلات القانونية الكبرى في تنظيم الجهاز القضائي ووظائفه كالأنجلوسكسوني أو اللاتيني، أو الدمج بينهما، أو خلق نموذج جديد يعود بالأساس للقواعد الدستورية المتبناة في القانون الأساسي "الدستور". بينما مفهوم استقلال القضاء يمثل على الدوام عنصرًا أساسيًا من عناصر توفير ضمانات المحاكمة العادلة، وتنفيذ أمين للقواعد الدستورية الراعية لمبدأ فصل السلطات المُرسم في القانون الأساسي الفلسطيني، فيما يمثل مجلس القضاء الأعلى الأداة الأبرز لحماية هذا الاستقلال.
على مدار العشرين عاماً الماضية جرى تبني عدد من القوانين المنشأة لسلط قضائية جديدة منفصلة عن مجلس القضاء الأعلى كالمحكمة الدستورية والمحاكم الإدارية وإعادة انتاج القضاء الشرعي إلى جانب الهيئة القضائية لقوى الأمن الفلسطينية بشكل منفصل. هذه التطورات أنتجت تعدد السلط القضائية "مؤسسات قضائية منفصلة عن بعضها البعض" على عكس غاية المشرع الدستوري عند صياغة وإقرار القانون الأساسي؛ بخاصة الفصل السادس منه المتعلقة بالسلطة القضائية وتشكيلها وتنظيم إدارتها والمحاكم المتخصصة والخاصة.
على الرغم من وجود أحكام دستورية واضحة تُكرس الوحدة والاستقلال، شهد النظام القضائي الفلسطيني تشرذمًا كبيرًا على مدى العقدين الماضيين. وقد أدى ذلك إلى إنشاء هيئات قضائية متعددة ومتوازية تعمل خارج نطاق الرقابة الموحدة التي ينص عليها القانون الأساسي الفلسطيني. تُحدد هذه الورقة التحديات الحرجة الناجمة عن هذا التشرذم، بما في ذلك تآكل المبادئ الدستورية الأساسية، وتقويض استقلال القضاء، والأعباء المالية الباهظة المفروضة على الخزينة العامة بسبب ازدواجية الهياكل الإدارية وتضخم تكاليف الموظفين. علاوة على ذلك، يكشف التحليل عن قصور واضح في الأداء القضائي في مختلف المحاكم المتخصصة، وهيكلية "الهرم المقلوب" الإشكالية في المناصب القضائية العليا.
تقترح هذه الورقة السياساتية أجندة إصلاح شاملة تُركّز على إعادة توحيد جميع المحاكم المتخصصة - أي القضاء النظامي والإداري والدستوري والشرعي - في ظل مجلس قضاء أعلى مُعزّز وديمقراطي. وتشمل التوصيات الرئيسية مراجعةً تشريعيةً شاملةً وعملية تعديلٍ لتتماشى مع المبادئ الدستورية، وتعزيز شرعية مجلس القضاء الأعلى من خلال عمليات اختيارٍ شفافةٍ وشاملة عبر توسيع العضوية فيه وادخال طرق ديمقراطية في عملية تشكيل هذا المجلس وتكوينه في إطار التنفيذ الدقيق للقواعد الدستورية الناظمة للجهاز القضائي والحفاظ على مبدأ فصل السلطات، وضمان حماية استقلالية الجهاز القضائي، وتقليص حجم الأعباء المالية على الخزينة العامة. ويتمثل الهدف النهائي لهذه الإصلاحات في بناء قضاءٍ مستقلٍّ وفعالٍ يُرسّخ سيادة القانون بفعالية، ويعيد ثقة الجمهور في إطار عملية إصلاح جوهرية وجادة.
يجدر الانتباه إلى أنّ هذه الورقة لا تناقش مسألة إعادة بناء الجهاز القضائي في قطاع غزة إثر الحرب الإسرائيلية وتوحيد القضاء في الضفة الغربية وقطاع غزة التي سيتم معالجتها في ورقة منفصلة.
جهود متعثرة لبناء جهاز القضائي موحد
واجهت عملية بناء الجهاز القضائي على مدار الخمسة والعشرين سنةً الماضية تحديات عديدة أبرزها الانقسام السياسي الحاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وغياب المجلس التشريعي ومن ثم حله، وتدخل السلطة التنفيذية المتكرر في عمل السلطة القضائية، والصراع بين مؤسسات "قطاع العدالة"، والخلافات بين القضاة أنفسهم ونظرتهم إلى استقلال السلطة القضائية بشكل مطلق على غير غايات القانون الأساسي الذي يشير إلى استقلال القاضي بأحكامه، ومنع تضارب المصالح في حال وجودها، بالإضافة إلى ضعف الإمكانيات المتاحة للسلطة القضائية، وتراكم القضايا في أروقة المحاكم، ومحاولات بعض المتنفذين الحصول على منافع بتكريس تعدد السلط القضائية في خرق للمصلحة العامة القائمة على أساس النزاهة السياسية "نزاهة الحكم".
· تم تشكيل مجلس القضاء الأعلى الانتقالي[1] (أول مجلس قضاء في فلسطين) في حزيران /يونيو 2000 بهدف ترتيب وضع الجهاز القضائي، ومن ثم في شهر أيار / مايو 2002 إثر صدور قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002 تم تعيين مجلس القضاء الأعلى. فيما أصدر الرئيس محمود عباس قراراً بتاريخ 14/3/2005 يقضي بتشكيل لجنة توجيهية لتطوير القضاء والعدل أنيطت بها مهمة إعداد مسودة مشروع قانون معدل لقانون السلطة القضائية، واقتراح الإجراءات التي يتوجب اتخاذها لتأمين استقلال القضاء وكرامة القضاة وكفاءتهم ونزاهتهم.[2]
· تم تشكيل المحكمة الدستورية في العام 2016. لكنها واجهت هذه الخطوة معارضة واسعة من قبل منظمات المجتمع المدني تخوفاً من أنْ تكون هذه المحكمة أداة لهيمنة السلطة التنفيذية على الحكم.[3]
· وفي 6/9/2017 أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً رئاسياً يقضي بتشكل اللجنة الوطنية لتطوير قطاع العدالة مهمتها مراجعة منظومة التشريعات القضائية وإعداد رؤية شمولية لتطوير قطاع العدالة والقضاء، وقد حدد القرار بقانون فترة عملها بستة أشهر إلا أنّ مداولاتها وعملها استغرق عاماً لتقديم تقريرها المتعلق بنتائج أعمالها وتوصياتها.[4]
· في تموز 2019 أصدر الرئيس محمود عباس قرارين بقانون بشأن القضاء عَدَّلَ في أحدهما قانون السلطة القضائية (خفض سن تقاعد القضاة من سن السبعين إلى سن الستين)، فيما حل بالقرار الثاني مجلس القضاء، وأنشأ مجلس قضاء انتقالي لمدة عام (قابلة للتمديد لستة شهور) ومنح مجلس القضاء الانتقالي حق إعادة تشكيل هيئات المحاكم في كافة الدرجات، وإعداد مشاريع القوانين اللازمة لإصلاح القضاء واستعادة ثقة المواطن به، وإعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى وفقا لأحكام القانون. هذان القراران قوبلا بالترحيب من بعض مؤسسات المجتمع المدني شريطة عدم تدخل السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية فيما عارضت مجموعة أخرى من مؤسسات المجتمع المدني هذين القرارين معتبرة أنهما مخالفان لأحكام القانون الأساسي وقانون السلطة القضائية، وأنهما استمرار لتغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية. وفي ذات العام 2019 تم تشكيل المجلس التنسيقي لقطاع العدالة.[5]
· وفي العام 2021 أصدر الرئيس الفلسطيني ثلاثة قرارات بقوانين تتعلق بالشأن القضائي (تعديل قانون تشكيل المحاكم وتعديل قانون السلطة القضائية والقرار بقانون المحكمة الإدارية) أدّت إلى فصل القضاء الإداري عن القضاء النظامي بات بموجبه التقاضي أمام المحاكم الإدارية على درجتين.
لكن هذه التعديلات في الجهاز القضائي أثارت مسألة مدى تجسيم مبدأ فصل السلطات المنصوص عليه في القانون الأساسي الفلسطيني من حيث توحيد القضاء بمحاكمه المختلفة تحت إشراف المجلس الأعلى للقضاء، وحماية استقلال القضاء الفلسطيني من تدخلات جهات مختلفة في السلطة التنفيذية خاصة في عملية تعيين القضاة. وقد اعتبرت منظمات المجتمع المدني أن هذه القرارات بقوانين تأتي في إطار هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء الإداري[6] المختص بالرقابة القضائية على أعمال الإدارة، بشكل خاص السلطة التنفيذية، وذلك من خلال الاستفراد بتعيين رئيس المحكمة الإدارية العليا بشكل دائم، وتعيين أعضاء المحكمة الإدارية والمحكمة الإدارية العليا من قبل السلطة التنفيذية عمليا في المرة الأولى للتشكيل، ومن خلال إضعاف ضمانات الحصانة للقضاة في القرار بقانون بشأن تعديل قانون السلطة القضائية.
· أما في العام 2022 أصدر المرسوم قرار رقم (17) لسنة 2022[7] القاضي بتشكيل المجلس الأعلى للهيئات القضائية برئاسة رئيس السلطة التنفيذية (الرئيس الفلسطيني)، والذي تم التراجع عنه بإصدار مرسوم رئاسي[8] بإلغاء المرسوم السابق بعد عام تقريبا بسبب ضغوط خارجية. ومن ثم إصدار المرسوم الرئاسي رقم 3 لسنة 2023 القاضي بإعادة تشكيل المجلس التنسيقي لقطاع العدالة[9] وبداية العام 2023 أصدر الرئيس قراراً بتشكيل اللجنة الوطنية لتطوير قطاع العدالة[10] التي يضم في عضوية أطراف من الجهاز القضائي المُفتت ومن السلطة التنفيذية، إلا أنّه لم تظهر أيّة نتائج للجنة الأخيرة.
[1] انظر/ي قرار رقم (29) لسنة 2000م تشكيل مجلس القضاء الأعلى
[2] تم وأد هذه اللجنة إثر قرار المحكمة العليا بصفتها الدستورية المنعقدة بتاريخ 27/11/2005 والتي قضت بعدم دستورية قانون السلطة القضائية رقم 15 لسنة 2005 الذي تبناه المجلس التشريعي آنذاك بناء على مقترح اللجنة التوجيهية لتطوير القضاء والعدل.
[3] انظر/ي المحكمة الدستورية الفلسطينية العليا تم تشكيلها بطريقة غير قانونية ولا يصح استخدامها كأداة للمناكفة السياسية | دراسات | تقارير ودراسات | اصدارات | المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)
[4] تقرير اللجنة الوطنية لتطوير قطاع العدالة ومراجعة منظومة التشريعات القضائية، أيلول 2018. موقع الهيئة الأهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون – استقلال http://www.istiqlal.ps/?q=node/139
[6] انظر/ي مؤسسات المجتمع المدني تدعوا لإلغاء كافة القرارات بقانون والمراسيم المتعلقة بالشأن القضائي وانهاء آثارها
[7] انظر/ي نص المرسوم الرئاسي رقم (17) لسنة 2022، بشأن إنشاء المجلس الأعلى للهيئات والجهات القضائية.
مرسوم_رقم_17_لسنة_2022_بشأن_المجلس_الأعلى_للهيئات_والجهات_القضائية.pdf (najah.edu)
[8] انظر/ي نص المرسوم الرئاسي رقم (2) لسنة 2023، بإلغاء المرسوم الرئاسي رقم (17) لسنة 2022 بشأن إنشاء المجلس الأعلى للهيئات والجهات القضائية. المجلس_الاهعلى_للهيئات_والجهات_القضائية.pdf (najah.edu)