
2025-09-25 17:23
يقوم المشروع الاستعماري الحديث، وفي قلبه المشروع الصهيوني، على إستراتيجية معرفية منحازة، تستند إلى تفسير النتائج لا الأسباب. فبدل العودة إلى جذور المقاومة ورفض الاستعمار، يُعاد إنتاج خطاب يَصِف السكان الأصليين بأنهم "متوحشون" و"خارجون عن الحضارة"، الأمر الذي يجعل من القتل والتدمير والاقتلاع حتمية "دفاعية" و"مبررة" في سبيل التحديث والتنمية.
هذه القاعدة المعرفية لم تكن تفصيلًا عابرًا، بل مثلت إحدى الركائز الكبرى التي بُني عليها المشروع الإسرائيلي في فلسطين.
منذ اللحظة الأولى، اعتمدت إسرائيل – باعتبارها قاعدة استعمارية متقدمة – على التربية الصهيو-دينية لغرس قيم الكراهية ونفي الآخر. فقد جرى تصوير الفلسطيني باعتباره "دخيلاً" أو "بدائيًا" لا يستحق الحياة أو التاريخ، وهو ما انعكس في السياسات المنهجية لطمس الهوية الفلسطينية: من تغيير أسماء القرى والمعالم إلى العبرية، إلى تكريس المقولة الدعائية "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". وبذلك لم تكن المجازر والتهجير مجرد أحداث استثنائية، بل نتاج منظومة أيديولوجية ترى العنف واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا ودينيًا.
كما لعبت البروباغندا الإسرائيلية والغربية دورًا محوريًا في إضفاء غلاف "أخلاقي" على الممارسات الاستعمارية. فكل أشكال المقاومة الفلسطينية – حتى السلمية منها – وُسمت بكونها "إرهابًا"، بينما جرى تقديم الاعتداءات الإسرائيلية كأفعال "دفاعية مشروعة". هذه المعادلة المقلوبة وفّرت غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا واسعًا لإسرائيل، وأعاقت في المقابل أي محاولة دولية جادة لمساءلتها.
حتى بعد اتفاقية أوسلو (1993)، لم يتغير جوهر هذه الإستراتيجية، بل أعيد إنتاجها بوسائل جديدة. فبينما سُوِّق للاتفاق بوصفه خطوة نحو السلام، استمرت إسرائيل في توسيع الاستيطان، وممارسة سياسات الحصار والتجويع، وتعزيز البنية الأمنية التي تُحوّل الفلسطيني إلى موضوع دائم للاشتباه والمطاردة. وهكذا استمرت القاعدة نفسها: تفسير النتيجة (أي المقاومة) على أنها عدوانية وغير شرعية، مع تجاهل السبب الجذري وهو الاحتلال ذاته.
خلاصة القول، إن فهم السلوك الإسرائيلي يتطلب النظر إلى هذه القاعدة المعرفية التي تفسر النتائج بدل الأسباب. فهي ليست مجرد إستراتيجية دعائية، بل أداة استعمارية متكاملة تسوغ العنف، وتعيد إنتاج الشرعية الزائفة للمشروع الصهيوني. وإزاء ذلك، يصبح الرهان على تفكيك هذه السردية وفضح جذورها شرطًا لازمًا لاستعادة الرواية الفلسطينية الأصيلة، وإعادة الاعتبار لحق الشعوب في مقاومة الاستعمار بوصفه حقًا إنسانيًا لا يقبل التأويل.
........................................................
*باحث فلسطيني في الشؤون الإقليمية والإسرائيلية