أميركا بلا عدالة: تهدم شرعية قيادتها


Case

2026-10-10 13:07

Copy Link

تكشف مهاجمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، عقب إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، وتهديد وزير خارجيته ماركو روبيو المحكمة الجنائية الدولية بالتفكيك، أزمة تتجاوز الخلاف مع شخصية حقوقية أو مؤسسة قضائية.

إنها أزمة أهلية، قوة تتصدر النظام الدولي، لكنها تواجه أدوات العدالة عندما تقترب المساءلة من مصالحها وحلفائها. فقد أعاد ترامب نشر بيان يهاجم بيلاي ويتهمها بالعداء لأميركا وإسرائيل، بينما أعلنت إدارته عقوبات على المحكمة نفسها.

لا يثبت تزامن العقوبات مع إعلان الجائزة أنها جاءت انتقاماً منها، لكنه يجمع صورتين لموقف سياسي واحد: التشكيك في رموز العدالة، والضغط على المؤسسات التي تمارسها. وعندما تصبح حماية الحليف مقدَّمة على استقلال القضاء، يحق للعالم أن يسأل: بأي شرعية تحتكر واشنطن قيادة نظام تطالب الآخرين باحترام قواعده، ثم تحاول تعطيلها حين تقيدها؟

لا يوجد في ميثاق الأمم المتحدة تفويض للولايات المتحدة بإدارة العالم. مكانتها نتاج القوة العسكرية والاقتصادية والنفوذ السياسي، لكن القدرة على فرض القرار لا تمنح تلقائياً شرعية القيادة. فالقيادة مسؤولية عن حماية السلم والمؤسسات المشتركة، وقبول القيود القانونية، واحترام حقوق الشعوب، خصوصاً عندما تتعارض مع المصالح الوطنية.

من هذه الزاوية، يمثل تهديد المحكمة الجنائية الدولية تجاوزاً للاعتراض القانوني إلى الإكراه السياسي. تستطيع واشنطن مناقشة اختصاص المحكمة وإجراءاتها، لكن معاقبة القضاة والمدعين والمؤسسة تستهدف قدرتها على العمل. وقد رفضت المحكمة العقوبات الجديدة وأكدت استمرار أداء مهمتها باستقلال وعلى أساس القانون والأدلة.

ويقتضي الدفاع عن العدالة الدقة: فالمحكمة الجنائية الدولية تنظر في المسؤولية الجنائية للأفراد، ومذكرات توقيفها ليست أحكام إدانة نهائية. أما محكمة العدل الدولية فهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة وتفصل في النزاعات بين الدول. لكن اختلاف المؤسستين لا يغيّر المبدأ: استقلال القضاء يُختبر بقدرته على النظر في القضايا دون الخضوع لتهديد الأقوياء.

وتقدم فلسطين أوضح الشواهد على التناقض بين خطاب القيادة الأميركية وممارستها. ففي عام 2009، دعا قرار مجلس النواب الأميركي بشأن تقرير غولدستون إلى معارضة اعتماده أو مواصلة النظر فيه في المحافل الدولية، رغم أن التقرير تناول انتهاكات القوات الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية معاً. كان ذلك ضغطاً ضد متابعة مسار للمساءلة شمل الطرفين.

وفي فبراير/شباط 2011، استخدمت واشنطن "الفيتو" ضد مشروع قرار يدين الاستيطان، رغم تأييد أعضاء مجلس الأمن الأربعة عشر الآخرين. وبعد الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، رفضت الجمعية العامة الإجراءات الرامية إلى تغيير وضع المدينة بأغلبية 128 دولة مقابل تسع. وهنا ظهرت الفجوة بين الموقف الدولي الواسع والقرار الأميركي المنحاز لإسرائيل.

وتكرر التعطيل خلال حرب غزة. ففي 4 يونيو/حزيران 2025، أسقط "الفيتو" الأميركي مشروع قرار يطالب بوقف إطلاق نار فوري ودائم، رغم تصويت بقية أعضاء المجلس لصالحه. ثم استخدمت واشنطن "الفيتو" مجدداً في سبتمبر/أيلول ضد مشروع لوقف إطلاق النار وتيسير المساعدات. بذلك عطلت أداة جماعية كان يمكن أن تزيد الضغط لحماية المدنيين.

هذه المواقف تضعف صدقية الوساطة الأميركية. فالوسيط الذي يحمي أحد الأطراف من الضغط والمساءلة يختل توازنه، وتصبح قدرته على إدارة النزاع أكبر من قدرته على إنتاج تسوية عادلة. وحين تنخفض كلفة الانتهاك بفعل الحماية الدبلوماسية، تضعف حوافز تغيير السلوك، وتبقى أسباب الصراع قائمة.

ولا تقتصر الشواهد على فلسطين. ففي قضية نيكاراغوا عام 1986، قضت محكمة العدل الدولية بأن الولايات المتحدة انتهكت التزامات عدم التدخل وعدم استخدام القوة واحترام السيادة. وهذه إدانة قضائية، تتجاوز مجرد الاعتراض السياسي على سلوك واشنطن.

وفي العراق عام 2003، قادت الولايات المتحدة الحرب دون تفويض جديد وصريح من مجلس الأمن، مستندة مع بريطانيا إلى تفسير لقرارات سابقة.

وأكد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان لاحقاً أن الحرب لم تكن متوافقة مع ميثاق الأمم المتحدة. كشفت الواقعة خطورة انفراد قوة كبرى بتفسير شروط استخدام القوة وتنفيذ قرارها خارج توافق المجلس.

ليست هذه الحالات متساوية قانونياً؛ فالفيتو صلاحية يقرها الميثاق، بينما الحكم القضائي بثبوت انتهاك مسألة مختلفة. لكنها تكشف سياسياً نمطاً متكرراً من تقديم الإرادة الأميركية وحماية الحلفاء على فعالية المؤسسات المشتركة. ولا تحتاج الحجة إلى القول إن أميركا صنعت جميع الأزمات؛ يكفي أن بعض سياساتها أسهم في خلق أزمات وإدامة أخرى، بينما أضعفت أدوات معالجتها.

لهذا تصبح الحاجة إلى نظام متعدد الأقطاب مطلباً لتقييد احتكار القوة والقرار. لكن تعدد الأقطاب لا يضمن العدالة تلقائياً؛ فقد تتقاسم القوى الكبرى مناطق النفوذ أو تتبادل حماية حلفائها. المطلوب تعددية مرتبطة بسيادة القانون، وتمثيل أوسع للدول النامية، وحماية استقلال القضاء، وتطبيق المعايير نفسها على جميع القوى.

ويبدأ ذلك بتقليص القدرة على تعطيل الاستجابة للجرائم الجماعية، وتأمين تمويل وخدمات مستقرة للمؤسسات القضائية والإنسانية، وتنويع أطر الوساطة، وربط العلاقات العسكرية والاقتصادية باحترام الالتزامات الدولية. وبالنسبة إلى فلسطين، يعني بناء تحالفات تحول التأييد للحقوق إلى إجراءات تحميها، وتمنح الفلسطينيين دوراً حاسماً في تقرير مستقبلهم.

إن هذا السجل يقوّض أهلية الولايات المتحدة لاحتكار قيادة النظام الدولي. فأهلية القيادة تُختبر عندما يقيّد القانون المصالح، وعندما تطال المساءلة الحلفاء. والعالم يحتاج إلى توزيع للقوة يوسّع الحماية ويمنع منح الحصانة السياسية. فمن يطالب بقيادة العالم، ثم يهدّد العدالة حين تقترب منه، يهدم بنفسه شرعية قيادته.

>