
2025-02-09 13:48
4D pal
إن المخدرات بلاء هذا العصر، وسرطان المجتمعات، ووباء يستهدف أعز ما نملك وهم الشباب، ومكافحته واجب وطني على كل ولي أمر؛ وكل مسؤول حكومي وأمني. وتكاتف الجهات الحكومية والتعليمية والمؤسسات الأمنية والأسر يداً واحدة هو السد المنيع أمام من يريد الشر بمجتمعنا.
إن المجتمع الفلسطيني بأخلاقه و بثقافته الاجتماعية، وبمعتقداته الدينية، يرفض ويحرم تعاطي أحد أبنائه أي نوع من أنواع المخدرات، فالمجتمع الفلسطيني يحافظ على تماسك الأسرة، وتعاضد أعضائها، وتكافلهم، ويعطي أهمية كبرى لحماية الأسرة من المشكلات الاجتماعية، ومن تفاقمها إن وجدت، ويرفض تدخل أية جهة أخرى مهما كانت في الحياة الخاصة للأسرة ، فهو مجتمع أسري، قبلي، ريفي، وحضري وصاحب مبدأ ومعتقد، يواجه الثقافات الدخيلة بكل جدّية ويحرص على تماسكه، رغم انفتاحه وعمق حضارته وتقدمه في مجالات شتى، إلا أنه ينفر من سلبيات العصر، وحتى من البرامج التي تؤثر في ثقافته ومعتقده الديني، غير أن بعض المواطنين في محافظات الوطن، من ضعاف النفوس وقعوا فريسة للمخدرات وغيرها، مثل أي مجتمع عالمي قد يتأثر ببعض الظروف الخارجة عن إرادته، خاصة إذا استهدف من قبل محتل همه الوحيد تخريب هذا المجتمع لإخضاعه لنواياه ولفرض سيطرته عليه.
المجتمع الفلسطيني قوي ومحصن ومنيع في مواجهة مختلف الآفات التي يمكن أن تستهدف الإنسان ومنها "المخدرات"، ويقدم النموذج الأكمل والمتطور للدول الأخرى التي لا تكتفي فقط ببناء الإنسان وتأهيله وتمكينه بل تحرص على تحصينه ومده بالمناعة اللازمة والوعي الكافي لحمايته عبر سلسلة من الإجراءات التي تنفذها مختلف مؤسسات الدولة العامة والخاصة والأهلية، وبالأخص المؤسسات التربوية والتعليمية والأمنية والعسكرية والصحية وغيرها من المؤسسات، حيث تقدم هذه المؤسسات خططًا وإستراتيجيات ومبادرات وطنية وقوانين تشكل منظومة عصرية متكاملة يتشارك الجميع في إنجاحها بحكم أن ذلك يشكل التزاماً أخلاقياً وقيمياً وإنسانياً، فضلاً عن أن المساهمة في محاربة المخدرات واجتثاثها واجب وطني ومسؤولية يحملها كل حريص على سلامة المجتمع وأمن الوطن .
إن دولة فلسطين بمختلف مؤسساتها تبذل جهوداً كبيرة وحثيثة في مجال الوقاية والمكافحة لآفة المخدرات وجرائمها من خلال مجموعة من الخطوات منها:
1- دولة فلسطين ملتزمة بالتنفيذ الفعال لما ورد في الاتفاقيات والوثائق الدولية لمراقبة ومكافحة المخدرات، ضمن التزام الحكومة الفلسطينية العام بالتصـدي لمشكلة المخدرات العالمية والحفاظ على صحة وأمن وسلامة المجتمع الفلسطيني.
2- وضعت الحكومة الفلسطينية إستراتيجية وخطة وطنية لمكافحة المخدرات التزامًا منها لتكون عضوًا فاعلًا في المجتمع الدولي تعزز جهوده في مكافحة آفة المخدرات ومواجهة مشكلة المخدرات العالمية، والتعاون الدولي على نحو يتفق تمامًا مع مقاصد ومبادئ الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاحترام التام لجميع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والكرامة المتأصلة للأفراد كافة، ولمبدأي التساوي في الحقوق والاحترام المتبادل بين الدول.
3- أنشأت الحكومة الفلسطينية برامج تعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ومنظمات دولية بما فيها الاتحاد الأوروبي والشرطة الأوروبية، وبدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي (كويكا KOICA)، والوكالة الكندية للتنمية الدولية (CIDA)، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، وقد ساهمت تلك البرامج بشكل فعال في محاربة انتشار المخدرات في فلسطين.
4- أصدرت دولة فلسطين في العام 2015، قانونًا حديثًا لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، بجهود وطنية خالصة.
5- تعمل وزارة الصحة الفلسطينية على توفير العلاج الصحي والنفسي للمواطنين بالشراكة مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
6- عملت الحكومة الفلسطينية على تشكيل اللجنة الوطنية العليا للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية والتي تعمل على إعداد برامج للوقاية من المخدرات.
7- اتخذت الحكومة أيضًا تدابير لتعزيز الشراكة مع المجتمع المدني في مواجهة مشكلة المخدرات، حيث تسعى الشرطة الفلسطينية لتطوير مفهوم الشرطة المجتمعية، كما أولت اهتمامًا جادًا لدعم الخطوات الاقليمية والدولية كافة في مجال معالجة الإدمان وإعادة التأهيل ومواجهة مشكلة المخدرات.
8- تعمل الحكومة الفلسطينية على تشجيع تكاتف الجهود، الأسرية في المنزل، والتربوية في المدارس والجامعات، والتوجيه السليم من المجتمع ومؤسساته العامة والخاصة.
9 - العمل على رفع مستوى الانتماء الوطني من خلال أنشطة مؤسسات الدولة المدنية والأمنية.
10- تشجيع ونشر التوعية من مخاطر المخدرات من خلال دور العبادة والنوادي الرياضية والمخيمات الصيفية، وكذلك عبر وسائل الإعلام.
ورغم الصعوبات التي تواجه الجهات المختصة في الأجهزة الأمنية الفلسطينية في السيطرة الكاملة على هذه الظاهرة، إلا أنهم لم يألوا جهدًا في ملاحقة من يعبثون بأمن الوطن ويتسببون في نشر هذه الآفة، إذ يواصلون الليل بالنهار من أجل إلقاء القبض على المطلوبين والمتورطين فيها، سواء ترويجًا وتجارة أو زراعة أو تصنيعًا أو تعاطيًا، من خلال نصب الكمائن أو المراقبة الدائمة والحثيثة للمناطق التي تدور حولها الشكوك، ومن خلال التعاون مع المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني، ويلاحظ ذلك من خلال الكم الهائل من أعداد مشاتل ومستنبتات زراعة المخدرات التي تم ضبطها في مختلف المحافظات الفلسطينية، والتي احتوت على عشرات الآلاف من الأشتال المخدرة، خاصة من مادة الحشيش والقنب الهندي المهجن، والماريجوانا، بالإضافة إلى أعداد من المصانع والمختبرات المنتجة والمصنعة لها.
وكان نشاط الأجهزة الأمنية خاصة إدارة مكافحة المخدرات، وبسبب توقيع قرار بقانون رقم (18) لعام 2015، أهمية كبيرة في محاربة هذه الآفة وتجارها، خاصة أنه اشتمل على عقوبات رادعة قد تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة والمؤقتة والغرامات المالية الكبيرة والتي قد تصل إلى 20 أو 30 ألف دينار، وقد بدأت المحاكم الفلسطينية بتطبيق هذا القرار، كل ذلك أدى إلى انخفاض قضايا المخدرات والمؤثرات العقلية في عام 2019.
لقد تمكن جهاز الشرطة والأجهزة الأمنية الفلسطينية من توجيه ضربات قاسية لتجار المخدرات، أدت لتفكيك مستنبتات ومعامل ومشاتل بمئات ملايين الشواكل، وأدت ملاحقتها الدائمة لتجار المخدرات إلى القبض على عدد كبير منهم، خاصة بعد تطوير ورفع كفاءة ضباط إدارة مكافحة المخدرات واطلاعهم من خلال الدورات التي التحقوا بها والتوجيهات على تطور وسائل الحد من التهريب ما ساهم في تراجع أعداد قضايا ضبط المخدرات على مدار العامين الماضيين، فاتجه تجار المخدرات إلى ترحيل هذه الجريمة للمناطق الحدودية والنائية ومحيط جدار الفصل العنصري، ولاحقتهم فيها الشرطة إلى هذه المناطق وضبطت كميات كبيرة فيها من المخدرات بمساندة المواطن الفلسطيني والذي يرفض وجود المخدرات وتجارها ومروجيها ومتعاطيها في المجتمع، وأصبح لا يتردد في الإبلاغ عنهم حتى وصل الأمر إلى أن يقوم أحد أفراد الأسرة بالإبلاغ عن فرد يتعاطى المخدرات في داخل الأسرة .
هذه الأسباب ليست وحدها التي ساهمت في التراجع وإنما توحيد الجهد الأمني بين الشرطة والأجهزة الأمنية كافة، والتنسيق عالي المستوى بين أجهزة العدالة من الشرطة والنيابة والقضاء، وترسيخ مبدأ التخصص في العمل والضبط والتحقيق والتكييف القانوني وتطبيق القرار بقانون رقم (18) لعام ،2015 الخاص بالمخدرات، كان له عظيم الاثر في نفوس من يفكر بسلوك طريق هذه الآفة.
ومن هنا نقول إن مكافحة المخدرات في فلسطين واجب وطني وأخلاقي وديني على كل فلسطيني، فعندما تتضافر الجهود الأسرية والمجتمعية والتربوية والصحية والإعلامية والدينية والأمنية، وحسن المتابعة ويقظة ووعي المجتمع نكون أمام حالة من الهمة المجتمعية الإنسانية في درء الأخطار عن حياة أبناء شعبنا والحفاظ على مجتمعنا الفلسطيني آمنًا ومستقرًا من آفة المخدرات.
................................
* جامعة الاستقلال