
2026-05-12 16:51
تواجه حركة فتح اليوم واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ انطلاقتها، ليس بسبب الخلافات التنظيمية أو التنافس على المواقع القيادية فحسب، بل نتيجة أزمة أعمق تتصل بطبيعة دورها السياسي وموقعها التاريخي بعد عقود من التحول من حركة تحرر وطني إلى سلطة مقيدة بالاحتلال ومعادلاته.
نشأت فتح في سياق عربي ودولي اتسم بصعود حركات التحرر الوطني، وشكلت، إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية، عنوان المشروع الوطني الفلسطيني وقائدته السياسية. وقد استندت الحركة آنذاك إلى بيئة إقليمية ودولية وفرت، بدرجات متفاوتة، غطاءً سياسيًا ودعمًا لحركات التحرر في مواجهة الاستعمار والهيمنة الغربية.
غير أن التحولات الكبرى التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، وتراجع النظام العربي، وصعود الهيمنة الأميركية الأحادية، أعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة، ودفعت بالقضية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة عنوانها التسوية السياسية وإدارة الصراع بدل حسمه.
في هذا السياق، جاء اتفاق أوسلو، الذي لم يكن مجرد انتقال إداري من الثورة إلى السلطة، بل تحولًا عميقًا في طبيعة المشروع السياسي الفلسطيني. فمنذ تلك اللحظة، انتقلت فتح تدريجيًا من موقع حركة تحرر تواجه الاحتلال إلى موقع سلطة تعمل ضمن قيود سياسية وأمنية واقتصادية فرضتها الاتفاقات الدولية والوقائع الميدانية.
ومن هنا يمكن فهم جوهر الأزمة الراهنة. فالمشكلة لا تكمن فقط في ضعف الأداء أو الترهل التنظيمي، بل في مأزق الدور ذاته. إذ وجدت الحركة نفسها عالقة بين متطلبات السلطة والتزاماتها، وبين إرثها التاريخي بوصفها حركة تحرر وطني. فلا هي استطاعت بناء دولة ذات سيادة، ولا تمكنت من الحفاظ على أدوات حركة التحرر التقليدية.
التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر الثامن تعكس جانبًا من هذا المأزق. فالأعداد الكبيرة للمرشحين تعبّر، من جهة، عن حيوية داخلية ورغبة في المشاركة، لكنها تكشف، من جهة أخرى، عن اهتزاز الثقة بالبنية القيادية التقليدية، وشعور قطاعات واسعة من أبناء الحركة بأن المرحلة الحالية تتطلب مراجعة شاملة وآليات مختلفة في الإدارة والتمثيل.
إلا أن الملاحَظ أن النقاش الدائر داخل الحركة يتركز بصورة كبيرة على الأسماء والمواقع، أكثر من تركيزه على البرامج والرؤى السياسية. والسؤال الجوهري اليوم ليس: من سيفوز بعضوية اللجنة المركزية أو المجلس الثوري؟ بل: أي مشروع سياسي ستقوده فتح في المرحلة المقبلة؟ وكيف ستتعامل مع تحديات فشلت القيادة السابقة من إنجازها إيجابيا ، بدءاً بالمصالحة الفتحاوية الفتحاوية والوحدة الوطنية داخل (م.ت.ف) وإقصاء بعض فصائل منظمة التحرير من دور حقيقي في إدارة البلد والموارد الوطنية والقرارات السياسية الحاسمه إستراتيجيا (ولفترة تم إدارة البلد باسم اجتماع القيادة الذي كانت فتح تمثل 80% من قوامه، أي أن القرارات كانت محسومه لصالح فتح السلطه وليس المنظمة أو حتى فتح كحركة تحرر؛ كما لم تفلح في إعادة الحياة الديمقراطية والمجالس التمثيلية (التشريعي)، واستمر الوطن يدار لسنوات كأنه في حالة طوارئ قصوى، إضافه إلى عدم معالجة ملف غزة حتى حدث 7 أكتوبر بقي عالقاً، والاستيطان، ومشاريع التهويد والضم والقدس بما فيها إغلاق واقتحامات المسجد الأقصى، والانهيار الاقتصادي، وتآكل الثقة الشعبية؟
ما قصدته أن تحديات كبرى تنتظر القيادة المتبثقة عن المؤتمر الثامن، كما أن ثمة مخاوف متزايدة من ذوبان الحركة داخل بنية السلطة، بحيث تصبح فتح إطارًا سياسيًا يدير السلطة ويمثل غطاءً، وتغليفه بل وشرعنة وطنية لأي قرار إستراتيجي أكثر مما يقود مشروعًا وطنيًا تحرريًا. وقد ساهم في ذلك تغول المؤسسات الرسمية والأمنية، وغياب الحياة التشريعية والديمقراطية الفاعلة، ما أضعف دور الأطر التنظيمية، وأفقد الحركة جزءًا من قدرتها على المبادرة والتجديد.
ورغم كل ذلك، ما تزال فتح تمثل العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، بحكم تاريخها وامتدادها الشعبي وتنوع مكوناتها السياسية والاجتماعية. لذلك، فإن أي أزمة تعيشها الحركة تنعكس مباشرة على مجمل الحالة الفلسطينية، سياسيًا وتنظيميًا ومجتمعيًا.
إن التحدي الحقيقي أمام المؤتمر الثامن لا يتمثل في إعادة توزيع المواقع والمناصب، بل في القدرة على إنتاج مراجعة سياسية بإفق وشراكة وطنية شاملة شجاعة تعيد تعريف العلاقة بين فتح والسلطة، وبين السلطة والمشروع الوطني الفلسطيني. كذلك فتح وبقية الفصائل وكيفية إدارة وطنية للموارد والقرار؛ فاستمرار الحركة في إدارة الأزمة بالأدوات ذاتها سيعني بقاءها أسيرة معادلة مأزومة: سلطة بلا سيادة، وتنظيم يفقد تدريجيًا مبررات وجوده التاريخي.
فتح اليوم أمام لحظة مفصلية؛ فإما أن تستعيد دورها كحركة تحرر وطني قادرة على بناء شراكة فلسطينية واسعة وإعادة صياغة المشروع الوطني، وإما أن تبقى عالقة في إدارة واقع سياسي متآكل، يستهلك رصيدها التاريخي ويعمّق أزمة النظام السياسي الفلسطيني بأكمله.