
2026-06-04 14:29
في القانون توجد نظرية تُعرف باسم "نظرية الغير". ومفاد هذه النظرية أن أي قضية لها أطرافها الأصليون الذين يملكون الحق والمصلحة والقدرة على التأثير في مسارها. أما إذا دخل طرف لا علاقة مباشرة له بجوهر النزاع أو بأدواته الفعلية، فإنه يُعد "غيراً"، أي طرفاً خارج المعادلة الحقيقية، وتبقى تصرفاته وآراؤه في كثير من الأحيان بلا أثر على جوهر القضية، وكأنها لم تكن.
قد يبدو هذا المفهوم قانونياً بحتاً، لكنه يقدّم مفتاحاً مهماً لفهم أزمة وقف إطلاق النار في لبنان. فالأزمة الحالية لها طرفان أصيلان واضحان: المقاومة وإسرائيل. كلاهما يمتلك أدوات القوة، وكلاهما يملك أوراق الضغط، وكلاهما قادر على التأثير في الميدان وفي مستقبل أي اتفاق. لذلك فإن أي تسوية لا تنطلق من هذين الطرفين تبدو أقرب إلى محاولة إدارة الأزمة لا حلّها.
أما الدولة اللبنانية، التي تحاول اليوم أن تتصدر مشهد التفاوض، فتجد نفسها في موقع مختلف. فهي ليست الطرف الذي يخوض المواجهة العسكرية المباشرة، ولا تملك أوراق الضغط التي يملكها اللاعبون الفعليون على الأرض. ومن هنا يبرز السؤال: كيف يمكن لطرف لا يملك أدوات الصراع أن يفرض تسوية على أطراف تملك قرار الحرب والسلم؟ وكيف يمكن لاتفاق أن يصمد إذا لم يكن الذين يملكون القوة الفعلية جزءاً أساسياً من صياغته وضماناته؟
الولايات المتحدة تبدو في هذه المسألة وكأنها تعاني تناقضاً واضحاً في مقاربتها. فمن جهة تسعى إلى فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، وتشجع الدولة اللبنانية على التفاوض مع إسرائيل باعتبارها الممثل الرسمي للدولة. ومن جهة أخرى، تدرك أن استمرار القتال في لبنان ينعكس مباشرة على مسار التفاوض مع إيران، ولذلك تبذل جهداً كبيراً لاحتواء الجبهة اللبنانية ومنعها من تعطيل التفاهمات الأوسع.
هذا التناقض يكشف معضلة أساسية: واشنطن تريد التعامل مع لبنان كملف مستقل، لكنها في الوقت نفسه تتصرف على أساس أن تطورات هذا الملف تؤثر في ملفات إقليمية أكبر. أما إيران فتتحرك بعقلية مختلفة تماماً، تقوم على قناعة راسخة بأن الفصل بين الساحات لم يعد ممكناً، وأن حلفاءها في المنطقة يمتلكون من القدرة والتأثير ما يجعل أي محاولة لعزل الملفات عن بعضها محاولة غير واقعية.
ولعل الخطاب الأخير لأمين العام لحزب الله، حمل رسالة واضحة في هذا الاتجاه. فمضمون الخطاب كان أن أي اتفاق يتعلق بالحرب أو بمرحلة ما بعدها لا يمكن أن يمر من دون موافقة الحزب وقيادته، وأن أي ترتيبات تُصاغ خارج هذا الإطار ستبقى عرضة للاهتزاز أو السقوط. وبغض النظر عن الموقف من هذا الطرح، فإن الوقائع الميدانية تجعل من الصعب تجاهل الطرف الذي يمتلك القدرة على التأثير المباشر في مجريات الأحداث.
من هنا، إذا كانت الإدارة الأميركية تريد فعلاً لاتفاق وقف إطلاق النار أن يصمد وأن يتحول إلى تسوية مستقرة، فعليها أن تتعامل مع موازين القوى كما هي لا كما تتمنى أن تكون، وأن تدرك أن تجاهل الأطراف التي تملك أوراق التأثير لن يؤدي إلا إلى إنتاج اتفاقات هشة سرعان ما تتآكل أمام أول اختبار ميداني.
أما الدولة اللبنانية، فبدلاً من البقاء في حالة الارتباك بين الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية، فإن التحدي الحقيقي أمامها يتمثل في بناء مقاربة وطنية متماسكة مع المقاومة، تستفيد من عناصر القوة الموجودة في الساحة اللبنانية وتوظفها في خدمة المصالح الوطنية العليا. فالدول لا تُبنى بتجاهل موازين القوى القائمة، بل بحسن إدارة هذه القوى وتحويلها من عناصر تناقض إلى عناصر قوة ضمن مشروع وطني جامع.
وفي النهاية، فإن الاتفاقات لا تُقاس بعدد التواقيع التي توضع عليها، بل بقدرة الأطراف الحقيقية على الالتزام بها. وعندما يغيب الأصيل عن طاولة القرار، فإن الغير قد يوقّع، وقد يتحدث، وقد يفاوض، لكنه لن يستطيع ان يصنع سلاما دائما .