
2026-03-15 21:09
4D pal
قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، في مؤتمر صحفي على هامش انعقاد الدورة السنوية الرابعة للمجلس الوطني الـ14، الهيئة التشريعية الوطنية الصينية، الذي عقد بين 5 إلى 12 أذار\مارس الجاري، إن دبلوماسية الصين، التي يرسم معالمها ويوجهها الرئيس الصيني شي جين بينغ، توفر عوامل الاستقرار واليقين الأكثر إلحاحا في عالم مضطرب، وتشكل دعامة لا بديل لها وسط الاضطرابات العالمية.
وأشار الوزير الصيني إلى أن سلسلة المبادرات والمفاهيم المهمة التي طرحها الرئيس شي تجسد بصيرة إستراتيجية متميزة ورؤية عالمية واسعة، وتحدد الاتجاه الصحيح لتنمية التغيرات غير المسبوقة للعالم.
وأضاف وانغ أن شي سيستقبل في العام الجاري ضيوفا من جميع أنحاء العالم، ويستضيف فعاليات دبلوماسية كبرى من بينها اجتماع القادة الاقتصاديين لـ"الأبيك" والقمة الصينية العربية الثانية، وسيجري عدة زيارات مهمة إلى الخارج، الأمر الذي سيدفع بكل تأكيد تنمية علاقات الصين مع العالم نحو اتجاه أكثر إيجابية، ويفتح آفاقا جديدة لبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، ويمكن الأمة الصينية من تقديم إسهامات جديدة في السلام والتنمية العالميين.
تأتي تلك التصريحات في ظل استمرار الحرب الأميريكية الإسرائيلية على إيران، وتجاهل الحل الواقعي للقضية الفلسطينية، وفاعلية فتح جبهات مع لبنان واليمن وفصائل المقاومة في العراق وغيرهما، ينذر بحرب إقليمية واسعة، لا سيما وأن أميركا وإسرائيل وحلفاءهما الغربيون لم يعودوا ملتزمين بقواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية كخيار لحل الصراعات والنزاعات في منطقة الشرق الأوسط بالطرق السلمية والحوار والتشاور القائم على الإحترام المتبادل وعدم الاعتداء أو التدخل في شؤون الغير. وفي هذا السياق، ما زال المبعوث الخاص للحكومة الصينية لمنطقة الشرق الأوسط السيد تشاي جيون يقوم بجولة تشمل عدة دول في المنطقة، ويبذل جهود جدية بهدف إحتواء الأزمة والسعي الجدي لوقف الحرب لحماية الأمن والإستقرار الإقليميين من خلال اللقاء بالأطراف الفاعلة.
لذلك جاءت أهمية هذه المقالة لتسليط الضوء على معالم وجهود الدبلوماسية الصينية التي تمثلها سلسلة من المبادرات والمفاهيم العصرية التي تقدم إسهامات فعالة وحيوية في السعي لتحقيق السلام والتنمية العالميين، وبما يتوافق مع الإجماع الدولي على أساس الفوز والمنفعة المتبادلة للجميع دون إستثناء.
ولعل أبرز فعاليات هذه الجهود هي القمة الصينية العربية الثانية المرتقبة، خاصة وأن ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط يحتم علينا الاهتمام بهذا المحور، وذلك بهدف التنبؤ بمسار تطور العلاقات العربية الصينية من علاقات طبيعية إلى علاقات شراكة إستراتيجية واقعية في المجالات كافة في ضوء التطورات الحاصلة، وكذلك ضرورة تحمل المسؤولية التاريخية للوقوف في صف العدالة الدولية بهدف بناء عالم متعدد الأقطاب لحماية الأمن والسلم الدوليين بعيداً عن الهيمنة الأحادية في النظام الدولي.
انعقدت القمة الصينية العربية الأولى في الرياض، في التاسع من كانون الأول\ديسمبر 2022، وخرجت بنتائج أهمها: تأكيد الطرفين على وحدة الموقف تجاه القضايا العربية الصينية المشتركة، وضرورة بناء نظام دولي أكثر عدلاً وإستقراراً، نشر السلام والتنمية، تماشياً مع مبادرة الأمن والتنمية العالميين، التي طرحهما الرئيس الصيني شي، وأيضاً مركزية القضية الفلسطينية، وحلها بشكل عادل وشامل على اساس حل الدولتين، ورفض استخدام القوة في العلاقات الدولية، من خلال احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدن التدخل في شؤونها أو الإعتداء عليها. صيانة النظام الدولي، من خلال تعزيز العمل متعدد الأطراف، والالتزام بالقانون الدولي، والحفاظ على مصالح الدول النامية والدفاع عن حقوقها بهدف تعزيز الحوكمة والعدالة الدولية. تعزيز الشراكة الإستراتيجية بين الطرفين في المجالات كافة، من خلال نجاح أهداف وتطلعات منتدى التعاون العربي-الصيني. تعزيز التشاور السياسي، من خلال تعزيز التبادل والتضامن بينهما في المحافل الدولية حول القضايا العالمية ذات الاهتمام المشترك. الالتزام بمبدأ الصين الواحدة، من خلال دعم جهود الصين في الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها. وأخيراً الالتزام بوحدة وسلامة دول الأزمات العربية، من خلال إيجاد حلول للأزمات والقضايا الإقليمية وفقاً للقانون الدولي والمرجعيات والإتفاقيات ذات الصلة، في سوريا وليبيا واليمن ولبنان والسودان والصومال وغيرهما، مع التأكيد على وحدة وسيادة هذه الدول دون تدخل أو اعتداء.
في المقابل، فإن تلك الأهداف تحتاج لخطة عمل محددة وواقعية بهدف المتابعة والتنفيذ كأولوية لدى الجميع، خاصة في ظل التحديات السياسية التي تعصف بالمنطقة العربية، وهو ما يتطلب صياغة موقف عربي موحد للتعامل مع بعض السياسات تجاه دول المنطقة التي من الممكن أن تهدد الأمن والاستقرار الجماعي.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، في قمة جدة للأمن والتنمية في تموز\يوليو 2023، بأن واشنطن لن تنسحب من الشرق الأوسط وتترك فراغاً تملؤه روسيا أو الصين أو إيران. وهذا يؤكد أن السياسات الأميركية السابقة والحالية بزعامة ترامب لا تهتم بأمن واستقرار دول المنطقة، بل تسعى لخلق مزيد من الأحداث، وبالتالي مزيد من تفاقم الصراعات والنزاعات لما يخدم سياساتها الأحادية، وبما يضمن تحقيق مصالحها ومصالح حلفائها دون الإكتراث لأي موقف عربي مستقبلاً، أو حتى دون أي اعتبار لسيادة ووحدة الأراضي وعدم التدخل في شؤون تلك الدول.
إضافة لذلك، إفشال أي محاولة من التضامن أو الوحدة العربية التي من شأنها توحيد الموقف العربي لحل قضاياه العالقة كافة وأهمها تحقيق العدالة للقضية الفلسطينية بحلها بشكل دائم، أو حتى نجاح مساعي الوساطة لتحقيق المصالحة العربية الإيرانية على المدى البعيد للحفاظ على علاقات حسن الجوار.
وفي هذا السياق، فإن الموقف العربي الرسمي، دون تعميم، يستمر في المراهنة على الموقف الأميركي الغربي لتحقيق الأمن والاستقرار وبالتالي السلام والتنمية لدول المنطقة، وهو ما ثبت عكس ذلك في المعركة الحالية التي أصبحت تهدد أمن واستقرار معظم البلدان بسبب ما بدأته أميركا وإسرائيل تجاه إيران ولبنان وفلسطين غيرهما، والإمعان في تجاهل حل القضية الفلسطينية بشكل عادل وشامل وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، الأمر الذي ينذر بفوضى وحرب مفتوحة الخاسر الوحيد فيها شعوب ودول المنطقة.
لذلك، فإن مخرجات القمة الصينية العربية الأولى تحتاج لحاضنة جدية في التخطيط والتنفيذ خاصة من بلدان المنطقة، بمعنى الاهتمام الثابت بتطوير علاقات الشراكة الإستراتيجية مع الصين وفق خطة زمنية وبرنامج تعاوني مستدام، والذي يضمن تحقيق الاستقرار والتنمية بعيداً عن المراهنة على أي طرف لا يريد لأهداف ومخرجات تلك القمة النجاح؛ لأن تنفيذها يعني استدامة الوحدة والتضامن وبالتالي تحقيق الرخاء والازدهار والعكس صحيح.
وفي هذا السياق، فإن القمة الصينية العربية المرتقبة يجب أن تؤكد على مسار ونتائج ما جاء في القمة الأولى، وأن تتخذ خطوات عملية لضمان تحقيق الأهداف المشتركة. فالدبلوماسية الصينية تنتهج طريق التسامح والتعاون ونبذ التطرف والتسلط بهدف تحقيق الفوز المشترك، خاصة وأننا في ظروف استثنائية يعشيها العالم اليوم في ظل نظام دولي يتراجع بسبب سياسة الهيمنة والاستقواء على الضعيف، فإما الحياة والتطور وإما مزيد من الإنهيار للقيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان التي وإن تراجعت تبقى عنوان للتقدم والعيش المشترك.
في المحصلة، إنه الموقف المسؤول والجاد قبل فوات الأوان، فالخطاب الدبلوماسي الصيني خطوة متقدمة للحفاظ على قيم ومبادئ القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم لمناصرة الضعيف والمظلوم.
وفي هذا السياق، يحتاج الأمر للإهتمام الجدي من قبل من هم بحاجة للعدل والإنصاف، بهذا الخطاب ليكتب لأهدافه النجاح لحماية وصون قيم ومبادئ الحياة العصرية التي نريد. فدون تعاون وتحمل للمسؤولية من الأطراف كافة لن يكتب لأي خطاب النجاح، تعاون قائم على الاحترام المتبادل وقبول الأخر والتسامح على قاعدة احترام وحماية الحقوق والحريات لتحقيق الفوز والمنفعة المتبادلة دون تمييز. وعليه، مطلوب "الحزم والثبات" لتفعيل المسؤولية الجماعية ودون تردد أو مجاملة لأحد، من أجل دعم أهداف وتطلعات الخطاب الدبلوماسي الصيني الذي أصبح يمثل الأمل للشعوب في تحقيق السلام والتنمية العالميين.
...............................................
*باحث فلسطيني بالشأن الصيني والدولي