الجنوب السوري وسيناريو "الفوضى غير الخلّاقة"


Case

2026-11-03 17:13

Copy Link

عاد الجنوب السوري بمحافظاته الثلاث (السويداء، درعاً، القنيطرة)، لاحتلال مكانة متقدمة على جدول أعمال الإقليم، صحيح أن هذه البقعة السورية لم تعرف الاستقرار منذ سنوات طوال، وبالأخص بعد الثامن من ديسمبر 2024، إلا أن أوضاعه اليوم، تبدو على درجة أعلى من الدقة والخطورة، مع ارتفاع أثر وتأثير "العامل الإقليمي" في مجريات الجنوب، ودخول أطراف عدة على خط أزماته المتراكبة.

ونقول إن الجنوب، لم يعرف الاستقرار يوماً منذ اندلاع الأزمة في سوريا قبل خمسة عشر عاماً، إذ بات شأنه شأن كل أقاليم البلد، ساحة من ساحات حروب الوكالة والإنابة، ومرتعاً لتعديات وانتهاكات إسرائيلية لا تتوقف، ولا تعرف حداً بالنظر للشهية التوسعية لحكومة اليمين الأكثر تطرفاً في تل أبيب.

على أرضه، تفاقم "بيزنس" تهريب المخدرات والسلاح، وبمبالغ فلكية تفوق بأضعاف ميزانية الدولة السورية ذاتها، ومع هذه العائدات الضخمة، سيتحول إلى "بيزنس" مستدام، غير عابئ أو مرتبط بما يجري في المركز/دمشق، عابر للطوائف والأقوام والأحزاب والدول، وعلى أرضه نَشِطت مقاومات وميليشيات متعددة المذاهب والمرجعيات، فبات لسنوات عدة، ولا يزال، مصدراً من مصادر تهديد "الأمن الوطني" الأردني ... تبدلت الأسماء والعناوين والمسميات، بيد أن التهديد ذاته، لم يتغير، إن لم نقل إنه تفاقم اليوم، على نحو غير مسبوق.

الجنوب في "العهد الجديد"

بعد عامين من ترحيل نظام بشار الأسد، لم يُفلح النظام الجديد في سوريا، في بسط سيطرة الدولة على المحافظات الجنوبية ... بل إن سياسات السلطة أفضت إلى "تنفير" جزء رئيس من المكون الدرزي، من النظام، وبدل تكثيف الجهود للحفاظ على تمسك دروز الجولان (السوري المحتل) بعروبتهم و"سوريتهم" رأينا ارتفاعاً جاوز الضعف، في أعداد السوريين المتقدمين للحصول على الجنسية الإسرائيلية، والإقبال على انتخابات الكنيست الـ 26، والتصويت لكل من الليكود و"يشار" و"إسرائيل بيتنا"، مما أسهم في تيسير مساعي الأسرلة والتهويد في أوساط سوريي الجولان، وهم الذين قاوموا لسنوات وعقود، هذه السياسات، ودفعوا أثماناً باهظة جراء مواقفهم الوطنية والقومية.

نعرف أن ثمة تيار "متأسرل" في الأوساط الدرزية في السويداء، وأنه يتغذى بمرجعيات دينية مشبوهة، نجحت في أن تفرض نفسها "ناطقاً" باسم دروز السويداء...ونعرف أن تل أبيب لن تدخر ما بوسعها من جهد، لجرجرة دروز سوريا إلى مستنقعها الآسن، لكننا نعرف كذلك، أن سوء إدارة الأزمة، وتولي ميليشيات مذهبية معروفة بعدائها لكل المكونات المختلفة، بل ولمروحة واسعة من العرب السنة، زاد الطين بِلّةً، وعقد المشهد بصورة غير مسبوقة، وعزز مزاعم إسرائيل في توفير مظلة حمائية لهم، وأعطب حتى إشعار آخر، الصوت الوطني والقومي في أوساطهم، ونمى الاتجاهات الانفصالية ونزعات الاستتباع للدولة العبرية، كما لم يحصل من قبل ... تلكم حقائق، لا يجوز القفز من فوقها، وإلا كنّا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، ظنّاً منها، أن أحداُ لن يرى جسمها الضخم.

أضف إلى ذلك، أن النظام الجديد، ورث الحكم، فيما كانت المنطقة تحولت بفعل "المصالحات المجتمعية" مع النظام السابق، وبالرعاية الروسية، إلى مجموعة من الجزر المعزولة، تتولى "الميليشيات المتصالحة" أمر تدبير شأنها العام، وهي ميليشيات، لا تبدو بعيدة تماماً عن "المكون السلفي الجهادي" الذي نما وترعرع في بعض أرجاء المحافظات الجنوبية، ولم يأتها بعد، نبأ "حصرية السلاح" بيد الدولة، وبحاجة دائمة، لمن يرفدها بالمال، والكثير منه، لإشباع نهم قادتها، والإنفاق على جيوشها المحلية، ، شأنها في شأن كتائب الهجري من قوى أمن ذاتي، وإدارات وميليشيات، تبدو بدورها بحاجة ماسّة للتمويل، والكثير منه كذلك، فوجد الجمع في المخدرات والإتجار بها، ضالتهم .... ومن هنا، رأينا أن تجارة المخدرات، تصنيعاً وتهريباً، نمت واتسعت بعد سقوط النظام السابق وحلفائه، علماً بأنه كان المتهم الرئيس برعايتها وتغذيتها، حتى أن توم باراك، قال ذات مكاشفة من مكاشفاته، بأن المنطقة الممتدة من السويداء إلى درعا، باتت أكبر مصنع للمخدرات (الكبتاغون)، وأكبر مورد لها في العالم.

ويضاف إلى ذلك كله، بقايا داعش والقاعدة، وبعضها كان حليفاً لتشكيلات النظام الحالي، حين كان ميليشيا، وقبل أن يصل إلى السلطة، وهي وإن تعرضت لضربات شديدة، أطاحت بـ"دولتها" ومؤسساتها، إلا أن المعطيات الصلبة، تؤكد أنها ما زالت باقية، ومن المحتمل أن تتمدد، مستفيدةً من مناخات الفوضى، وضعف قبضة الدولة، وعلى أمل تفشي سيناريو "الفوضى غير الخلاقة" في هذه البقعة السورية، وهي كيانات، كما هو معلوم، تنتعش بغياب الدولة وضعفها، وتنتشي بالفوضى والصراعات المحلية، من سياسية واجتماعية، سيما حين تأخذ بعداً طائفياً أو مذهبياً.

وثمة من يعزف على وتر "العلاقة المشحونة" تاريخياً، بين السويداء ومحيطها من قبائل بدوية، يجري تصوريها بوصفها "رأس حربة لدمشق"، سيما اليوم، بعد صعود "هيئة تحرير الشام" إلى السلطة في دمشق، وإسرائيل حاضرة، دوماً، بذريعة حماية "أشقائنا الدروز"، للتدخل، وبالأمس قامت بقصف مواقع وقرى وبلدات، تتمركز فيها هذه القبائل البدوية، لتبديد ما تزعم إسرائيل، أنه تهديد لأهل السويداء، من قبل قوى محسوبة على الشرع، وإن كانت متخفية بزيّ بدوي.

 ولا ننسى أن هذه المنطقة، كانت في السنوات الأخيرة، موضع اهتمام من قبل إيران وحزب الله، من ضمن رؤية لتطوير "مقاومة وطنية / إسلامية" ضد إسرائيل، ولقد نشأت قوى وخلايا، معدّة لأدوار مستقبلية لتحريك جبهة الجولان، التي أحجم النظام السابق عن تفعليها طيلة حرب الإبادة والإسناد... صحيح أن هذه القوى، أُضعِفَت، بيد أنها لم تتلاش، ولعل استهداف هذه الخلايا، هو واحدة من أولويات العدوانات الإسرائيلية المتكررة على قرى في محيط القنيطرة ودرعا، من دون أن تكون الأولوية الأولى، باعتبار أن التوسع والاحتلال، يحتلان صدارة الأولويات الإسرائيلية، سيما حين يدور الحديث عن مواقع استراتيجية مثل مساقط المياه وقمم المرتفعات.

الأردن ومصادر التهديد

تعدد اللاعبون في جنوب سوريا، من دول وجماعات، وتبدلت تحالفاتهم، تغيرت مواقفهم ومواقعهم، بيد أن التهديدات التي تمس مباشرة الأمن الوطني الأردن، ما زالت على حالها، بل وتفاقمت بعد التغيير في سوريا، وإذا كانت "القناة الروسية" من قبل، فعّالة في تحييد بعضٍ من هذه التهديدات، وإطفاء بؤر التوتر المتعاقبة بين عمان ودمشق، إلا أن غياب هذه القناة، يضع عمان ودمشق، أمام خيار أوحد: تفعيل التعاون الثنائي المباشر في كل ما يتصل بمعالجة هذه التحديات والتهديدات، بعيداً عن خطاب المناكفة، ولغة التهديد والوعيد.

للأردن كما لسوريا، مصلحة في كبح جماح العدوانية الإسرائيلية، فإسرائيل لم تعد تغطي كامل حدود الأردن الغربية، بل وأخذت تتمدد على حدوده الشمالية، وفي مناطق ذات حساسية خاصة، لبلد من الأفقر في العالم في المياه...والأردن يراقب بكثير من القلق، امتداد النفوذ الإسرائيلي إلى السويداء، ليس فقط، لكون الدروز، بالذات من أصول سورية، أحد مكوناته الاجتماعية، بل لأن إسرائيل متورطة في تجارة المخدرات، تصنيعاً وتهريباً، أقل لضمان إمداد المليشيات المحسوبة عليها، ودائماً في سياق لعبة الضغط والابتزاز التي تمارسها ضد عمّان.

إن شيوع الفوضى في المحافظات السورية الجنوبية، وتنامي احتمالات تفجر الصراعات المحلية-الأهلية، وامتداد الذراع الإسرائيلية إلى عمق حدوده الشمالية، تجعل الجنوب السوري، في صدارة أولويات الأمن الوطني الأردني...وآخر ما ترغب عمان في التعامل معه، كيانات منفصلة ومحتربة على امتداد حدوده الشمالية.

ويزداد الطين بِلّةً، مع توارد المعلومات المؤكدة، عن مساعي إسرائيلية محمومة، مشفوعة بيد الاعتداءات الثقيلة، للحيلولة دون تمكين دمشق من نشر قواتها المسلحة في الجنوب، والاكتفاء بحضور رمزي على المعابر والطرق الدولية، وغالباً من قبل وحدات شرطية وأمنية، لا أكثر، مقابل تنامي دور المليشيات من مذهبية وإرهابية وانفصالية، تفوق بعددها وعديدها، ما لدى الدولة السورية من ثقل وحضور.

إسرائيل لا تُخفي نواياها، لا حيال دمشق، ولا حيال الجنوب، وما تصمت عنه في تصريحاتها الرسمية، تبوح به بضرباتها الجوية والصاروخية والمدفعية، وبعملياتها الاستخبارية من قتل واعتقال ومداهمات وتفجيرات وتقطيع طريق...وهي تفعل ذلك، مع إدراكها بأن وضعاً كهذا، يشكل تهديداً لأمن الأردن واستقراره، كما تجلى من قبل ومن بعد، الثامن من ديسمبر 2024.

لكن، وبرغم قتامة المشهد في الجنوب السوري، إلا أن ثمة أنباء جيدة، ما زالت تلوح في الأفق، وتتجلى تحديداً في قنوات الاتصال المفتوحة، وعلى مختلف المستويات، بين عمان ودمشق، ورغبة الجانبين في الانخراط بحوار استراتيجي يؤطر علاقاتهما، ومن ضمن ذلك، تعريف أدوار كل منهما في "النظام، أو اللا نظام الأمني" الذي يراد فرضه على الجنوب السوري، تلكم مسألة يمكن الرهان عليها.

أما النبأ السار الثاني، فيتمثل في صحوة التيار العروبي داخل الطائفة الدرزية، الذي يقوده ويرمز إليه، وليد جنبلاط، وحزبه الاشتراكي التقدمي، ورهط من مشايخ عقل الطائفة، وفاء لإرث كمال جنبلاط، وإرث القائد السوري التاريخي سلطان باشا الأطرش، برغم ضجيج الأصوات الناعقة والمتلونة، التي كشف عن وجه سافر، لا يتردد عن الاستقواء بالإسرائيلي، ولا يخجل حين يجعل من نفسه واهماً، أنه الناطق باسم هيئة أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وإن لم يجر تكثيف التعاون والتنسيق بين الأردن، وجارته الشمالية، وبإسناد من مجموعة عربية وإقليمية وازنة، إن لم يجرِ تفعيل واحتضان التيار الوطني – القومي من دروز المنطقة، فإن الجنوب الذي يجلس فوق فوهة بركان، قد يكون عرضة للانفجار – لا سمح الله – وقد يكون ذلك قريباً.

>