
2026-06-18 15:11
تدخل الأحزاب العربية في الداخل الفلسطيني استحقاقاً انتخابياً جديداً وهي تواجه اختباراً مصيرياً يتجاوز تشكيل قائمة مشتركة أو توزيع المقاعد. فالمسألة اليوم تتعلق بقدرتها على الحفاظ على ثقلها السياسي في ظل بيئة إسرائيلية تتجه بصورة متسارعة سياسات يمينية أكثر تطرفاً تجاه الفلسطينيين، وتزداد فيها النزعات القومية العنصرية والتشريعات التي تمس حقوق الفلسطينيين في الداخل.
ورغم الحراك السياسي العربي المستمر لإعادة بناء تحالف انتخابي، خاصة حراك النقب وسخنين، فإن الخلافات القائمة ليست خلافات شخصية أو تنظيمية بقدر ما تعكس تبايناً عميقاً في الرؤية لدور العمل السياسي العربي وحدود تأثيره. فمن جهة، يبرز تيار براغماتي (يمثله منصور عباس)، يرى أن الانخراط في مراكز صنع القرار والتعاون مع أي حكومة يمكن أن يحقق إنجازات ملموسة للمجتمع العربي في مجالات الإسكان والميزانيات ومكافحة الجريمة. ومن جهة أخرى، تتمسك قوى سياسية وتمثل الاغلبية العربية، بأن الحفاظ على الثوابت الوطنية ورفض منح الشرعية لحكومات تتبنى سياسات معادية للفلسطينيين يجب أن يبقى أولوية لا يجوز التنازل عنها مهما كانت المكاسب المدنية و التي تؤكد على اهميتها.
هذه المفارقة تجعل الأزمة الحالية أزمة خيارات استراتيجية أكثر منها أزمة تحالفات انتخابية. فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل تتوحد الأحزاب؟ بل: على أي برنامج سياسي ستتوحد، وما حدود التنازلات التي يمكن تقديمها من أجل الحفاظ على التمثيل؟
وفي هذا السياق، برزت فكرة "القائمة التقنية" كحل وسط يسمح بتجنب تشتت الأصوات مع احتفاظ كل طرف باستقلاليته السياسية بعد الانتخابات. ورغم أن هذه الصيغة قد توفر مخرجاً عملياً، فإنها لا تعالج جذور الخلاف، بل تؤجلها إلى ما بعد الاقتراع.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في استمرار التباينات الفكرية، وإنما في انعكاسها على سلوك الناخبين. وإن عدم التوصل لقائمه موحدة مشتركه أفسح ويفسح المجال لظهور قوائم صغيرة أو مبادرات سياسية جديدة يهودية عربية أو عربية غير قادرة على تجاوز نسبة الحسم قد يؤدي إلى هدر عشرات الآلاف من الأصوات، (حرق اصوات) والتي تقدر بـ 160 ألف صوت، وهو ما يعني عملياً تقليص التمثيل العربي في الكنيست وإضعاف قدرته على التأثير في القرارات الوطنية.
ولا يقل عن ذلك أهمية عامل المشاركة الشعبية؛ إذ تشير التجارب السابقة إلى أن ارتفاع نسبة التصويت داخل المجتمع العربي قادر على مضاعفة الوزن البرلماني وتعزيز الحضور السياسي، بينما يؤدي العزوف إلى نتائج معاكسة، حتى في حال وجود تحالفات انتخابية واسعة؛ ومن ثم، فإن استعادة ثقة الناخب العربي تبدو تحدياً لا يقل أهمية عن التوصل إلى اتفاق بين القيادات الحزبية، ففي دراسات مسحية تقول إن هناك تدني دائم لنسبة المشاركه العربية بالتصويت؛ والتقدير بأنه إذا وصلت نسبة تصويت العرب لما يزيد عن 80% لسوف يرفع حتما عدد المقاعد العربية لما يزيد عن 20 مقعداً.
ومن منظور استراتيجي، فإن استمرار الانقسام قد يمنح الأحزاب اليمينية والمتشددة فرصة إضافية لتعزيز نفوذها والتوغل أكثر في مزيد من القوانين والسياسات العنصرية تجاه القضايا القومية وحتى الحقوقيه المدنيه، فكل مقعد عربي يُفقد بسبب تشتت الأصوات أو انخفاض المشاركة ينعكس على موازين القوى داخل الكنيست، ويحد من قدرة الكتل العربية على التأثير في التشريع أو بناء تحالفات مانعة في القضايا المفصلية.
غير أن تحميل الخلافات وحدها مسؤولية تراجع التمثيل سيكون تبسيطاً للمشهد. فالمجتمع العربي يعيش أيضاً حالة من الإحباط تجاه الأداء السياسي، ما يجعل أي مشروع وحدوي بحاجة إلى رؤية مقنعة تعيد ربط المواطن بالعملية الديمقراطية، لا إلى مجرد اتفاق انتخابي مؤقت.
في المحصلة، تبدو الأحزاب العربية أمام مفترق طرق تاريخي. فإذا نجحت في تحويل التنوع السياسي إلى مصدر قوة ضمن إطار عمل مشترك، فإنها قد تحافظ على مكانتها وتعزز تأثيرها في مرحلة شديدة الحساسية. أما إذا بقيت أسيرة الحسابات الفئوية والانقسامات، فإن الخاسر الأكبر لن يكون حزباً بعينه، بل مجمل الحضور السياسي للعرب في الكنيست، في وقت يواصل فيه اليمين الإسرائيلي توسيع نفوذه وترسيخ أجندته العنصرية.
إن التحدي الحقيقي ليس في تشكيل قائمة انتخابية فحسب، بل في بناء رؤية سياسية قادرة على الجمع بين الثوابت الوطنية والفاعلية البرلمانية، وبين الدفاع عن الهوية وتحقيق الإنجازات اليومية للمجتمع العربي؛ وعندها فقط يمكن للوحدة أن تتحول من شعار انتخابي إلى مشروع استراتيجي مستدام.
-------------------------------------------
*باحث في السياسات العامة والشؤون الإقليمية