الإرشاد النفسي في الأزمات أثناء وبعد الاجتياحات الاسرائيلية


Case

2024-11-22 16:20

Copy Link

تتمثل أهمية الإرشاد النفسي في الحرب في قدرته على تقديم الدعم العاطفي والنفسي للأفراد الذين يعانون من الضغوط النفسية الناتجة عن الحرب سواء كانت نتيجة للاجتياحات العسكرية، القصف، أو حتى نتيجة للتهجير القسري الذي يعيشه العديد من أبناء شعبنا الفلسطيني.

إن الفترات التي تلي الاجتياحات الاسرائيلية تكون مليئة بالشدائد النفسية التي يمكن أن تؤثر على الأفراد بشكل عميق، ما يزيد من ضرورة وجود إرشاد نفسي يوجه الأفراد نحو طرق التكيف الفعّالة.

يعمل الإرشاد النفسي على تعزيز قدرة الأفراد على التعامل مع مشاعر الخوف، التوتر، والاكتئاب التي قد تنتج عن التجارب العنيفة والصدمات. كما يساعد الأفراد في الوصول إلى إستراتيجيات تحكم أفضل لمواجهة هذه التحديات النفسية، ويساهم في تقليل الأثر السلبي لهذه الأزمات على صحتهم النفسية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الإرشاد النفسي في هذا السياق يساهم في بناء الشعور بالأمل والاستقرار الداخلي، ما يحفز الأفراد على استعادة قدرتهم على العمل والتفاعل مع مجتمعهم بشكل أفضل.

التدخل السريع للحفاظ على الاستقرار النفسي

أثبتت الدراسات أن التدخل السريع في حالات الأزمات لا يقل أهمية عن أي نوع من الدعم النفسي المستمر. فالتدخل المبكر يساهم بشكل كبير في الحد من تطور الصدمات النفسية إلى اضطرابات نفسية طويلة الأمد مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) أو الاكتئاب المزمن. إن الانغماس الفوري في العملية الإرشادية، والتي تشمل التوجيه، الاستماع، وإرشاد الأفراد إلى آليات التكيف، يقلل من القلق ويسهم في تعزيز المرونة النفسية للأفراد.

في حالة حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا، حيث يصبح الفرد في حالة من الإنكار أو الانسحاب النفسي نتيجة لوقوعه تحت هذه التجارب الصادمة من فقد الأحبة ، والهرب من الموت والتهجير القسري ، يمكن أن يكون للتدخل السريع دور محوري في استعادة التوازن النفسي. يتطلب هذا التدخل ليس فقط الإرشاد الفردي بل أيضاً توفير الدعم الجماعي للعائلات والمجتمعات التي تعيش في بيئة ذات ضغط نفسي دائم.

ومن هنا تأتي أهمية إشراك المجتمعات المحلية في العملية الإرشادية، وتدريب الأفراد على أساليب الدعم النفسي الجماعي.

أمام الوضع الراهن في فلسطين، حيث يواجه السكان صعوبة بالغة في التعامل مع الواقع السياسي والاقتصادي المضطرب، يصبح من الضروري تبني استراتيجيات إرشادية تراعي خصوصية المجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة. من أبرز هذه الاستراتيجيات:

1. إرشاد ما بعد الصدمة: يعتمد هذا النوع من الإرشاد على التعامل مع الآثار النفسية المباشرة التي يتركها الموت والتهجير القسري. يشمل هذا تقديم الدعم النفسي للأفراد والعائلات التي تعرضت لفقدان المنازل، فقدان الأحبة، أو تعرضت للاعتقال والتعذيب.

2. التوجيه في إدارة الضغوط: من خلال هذه الاستراتيجية، يتعلم الأفراد كيفية التعامل مع مشاعر الغضب والخوف والقلق التي قد تهيمن عليهم. يساهم الإرشاد في تعليم الأفراد أساليب التنفس العميق، والتفكير الإيجابي، والتفريغ الانفعالي.

3. الإرشاد الجمعي: نظراً للظروف المشتركة التي يعاني منها العديد من الأفراد في المجتمعات نفسها، يمكن أن يكون الإرشاد الجمعي فعّالاً في توفير الدعم الاجتماعي وتعزيز الصلابة النفسية لدى الافراد. يمكن للمجموعات أن تقدم للأفراد أداة قوية للتعاون والدعم.

4. التدريب على المرونة النفسية: تعزيز قدرة الأفراد على التكيف مع الظروف غير المواتية من خلال زيادة مستوى الوعي بالقدرة على التحمل، والتحكم بالانفعالات، واستخدام مهارات التفكير النقدي لتحويل المواقف الصعبة إلى فرص للتعلم والنمو.

إن الإرشاد النفسي في ظل الأزمات الفلسطينية يُعدّ ضرورة إنسانية ومهنية، وهو يشكّل أداة فعالة في تعزيز صحة الأفراد النفسية والاجتماعية خلال فترات الاجتياح والتهجير القسري.

يتطلب هذا النوع من الإرشاد التدخل السريع والفعّال الذي لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يتعداه إلى المجتمع بأسره. من خلال توفير الإرشاد النفسي وتطوير إستراتيجيات تدعم التحمل النفسي و تعزز المرونة النفسية، يمكن للمجتمعات الفلسطينية أن تتحلى بالقدرة على الصمود والتعافي، ما يساهم في حماية صحتهم النفسية ويساعدهم  في مواجهة التحديات المستمرة.

>