
2024-10-04 13:33
في لحظات الأزمات الحادة التي تفرضها الكوارث والحروب، يظهر الإنسان
في أضعف حالاته وأشدها احتياجًا للدعم النفسي والعاطفي. تنكشف هشاشة النفس البشرية
تحت وطأة الأحداث الجسيمة، وتبرز الحاجة إلى وسائل تعينها على التحمل والمواجهة.
هنا تحديدًا يتجلى دور الأسرة كحصن داخلي يصون الإنسان من الانهيار، لكن حتى هذا
الحصن يتعرض للاهتزاز أمام ضغط الأزمات. وهنا تظهر أهمية الإرشاد النفسي الأسري
بوصفه دعامة أساسية لتماسك الأسرة واستمرار دورها في توفير الحماية والرعاية
النفسية لأفرادها.
يعمل الإرشاد الأسري على تعزيز الروابط الأسرية، وتوفير مسارات جديدة للتكيف مع الضغوط النفسية والاجتماعية التي تفرضها الكوارث والحروب. إنه ليس مجرد عملية تهدف إلى علاج الأزمات النفسية الطارئة، بل هو تدخل جوهري يهدف إلى بناء صلابة نفسية تجعل الأفراد قادرين على مواصلة حياتهم في ظل الظروف الصعبة. إن الحروب والكوارث لا تمزق الأرض فقط، بل تحطم النفوس وتشتت العقول، وهنا يأتي دور الإرشاد الأسري لترميم النفوس التي أضنتها هذه المآسي.
دور الإرشاد الأسري في الحروب والأزمات:
في ظل الحرب الحالية التي تعصف بغزة، يعيش الشعب الفلسطيني تحت ضغط غير مسبوق من الخوف والموت والدمار. تتعرض الأسرة الفلسطينية، التي طالما كانت رمزًا للصمود، لاختبارات قاسية تهدد تماسكها واستقرارها النفسي. الفقدان والخسائر التي تلاحقها في كل لحظة تعزز الحاجة إلى تدخلات إرشادية أسرية عاجلة. وفي هذا السياق، يأتي الإرشاد النفسي الأسري كوسيلة حيوية لدعم الأسر في مواجهة التحديات النفسية والجسدية التي فرضتها الحرب.
يقدم الإرشاد الأسري للأسر الفلسطينية المتضررة أدوات نفسية تساعدها على التعامل مع الصدمات العميقة الناجمة عن الفقد والدمار. ففي كثير من الأحيان، تجد الأسرة نفسها غير قادرة على استيعاب حجم المأساة التي تحيط بها، سواء كانت خسارة في الأرواح أو المنازل أو الشعور بالأمان. هنا يتدخل المرشد الأسري ليكون الجسر الذي يعيد لهذه الأسر توازنها العاطفي والنفسي، ويعينها على مواصلة الحياة.
كما أن الإرشاد الأسري يسهم في تعزيز الروابط بين أفراد الأسرة الواحدة. ففي أوقات الأزمات، قد تتعرض هذه الروابط للتآكل بفعل الضغوط المتزايدة. أفراد الأسرة قد يعيشون في حالة من التوتر المستمر، مما يؤدي إلى تصاعد الخلافات والصراعات الداخلية. يعمل المرشد الأسري هنا على إعادة بناء جسور التواصل بين أفراد الأسرة، ويساعدهم على تفهم احتياجات بعضهم البعض، ويقدم استراتيجيات فعالة للتعامل مع النزاعات بطريقة بناءة.
وعلاوة على ذلك، يقدم الإرشاد الأسري استراتيجيات للتكيف مع الضغوط اليومية التي تفرضها الحرب. يعيش أفراد الأسرة الفلسطينية في ظل ظروف قاسية تضعهم أمام تحديات نفسية متعددة، بدءًا من التهديد المستمر للحياة، مرورًا بفقدان الشعور بالأمان، وانتهاءً بغياب المستقبل الواضح. يوفر المرشد الأسري للأسر أدوات نفسية مثل تقنيات الاسترخاء والتفكير الإيجابي، ويشجعهم على تبني رؤية طويلة المدى مبنية على الأمل في مواجهة هذه التحديات.
المرشد الأسري ودوره في حرب غزة:
الحرب الحالية في غزة تمثل اختبارًا قاسيًا للأسر الفلسطينية. في ظل العدوان المتواصل، تُحاصر الأسرة الفلسطينية من كل جانب، حيث يتعين عليها التعامل مع خسائر كبيرة ومستمرة. وفي ظل هذه الظروف القاسية، يصبح دور المرشد الأسري لا غنى عنه. فالمرشد الأسري يتدخل بشكل مباشر لتقديم الدعم النفسي اللازم للعائلات التي تعاني من فقدان أفرادها أو منازلها. يقدم هذا الدعم على هيئة جلسات إرشادية تساعد أفراد الأسرة على التحدث عن مشاعرهم ومواجهة مخاوفهم.
كما يعمل المرشد الأسري على توعية أفراد الأسرة بأهمية الدعم المتبادل بينهم. في وقت الأزمات، تكون الأسرة هي الملاذ الوحيد الذي يستطيع الإنسان اللجوء إليه، ولكن إذا كانت هذه الأسرة مفككة أو تعاني من صراعات داخلية، فإنها تصبح عبئًا بدلًا من أن تكون ملاذًا. هنا يتدخل المرشد الأسري لتوجيه الأسرة نحو استراتيجيات تساعدها على تقديم الدعم المتبادل بين أفرادها، وتعزيز روح التعاون والمساندة بينهم.
في الحالات الطارئة التي تتعرض فيها الأسرة الفلسطينية لضغوط نفسية شديدة نتيجة الأحداث الجارية، يكون دور المرشد الأسري حاسمًا في تقديم حلول فورية تمنع تفاقم الأزمة النفسية. ففي كثير من الأحيان، قد يتحول التوتر النفسي إلى اضطرابات نفسية دائمة إذا لم يتم التدخل السريع. وهنا يلعب المرشد الأسري دورًا في تقديم الحلول العاجلة، سواء من خلال تقديم جلسات فردية أو تنظيم جلسات جماعية لدعم الأسر في الأوقات الحرجة.
لقد أصبح الإرشاد النفسي الأسري ضرورة ملحة في زمن الحروب والأزمات، حيث لا تقتصر الكوارث على الدمار المادي، بل تمتد لتدمير النفوس وتشتيت الأفراد. في غزة اليوم، حيث يعيش الشعب الفلسطيني تحت قصف مستمر وحصار خانق، تلعب الأسرة دورًا محوريًا في توفير الحماية والدعم النفسي لأفرادها. ولكن هذه الأسرة بحاجة إلى دعم خارجي يساعدها على مواجهة الضغوط المتزايدة، وهنا يأتي دور الإرشاد الأسري كعامل حاسم في تعزيز تماسك الأسرة الفلسطينية، ودعم أفرادها نفسيًا ومعنويًا لمواصلة الحياة في ظل الظروف القاسية.
إن الإرشاد الأسري ليس مجرد تدخل لحظي للتعامل مع الأزمات الراهنة، بل هو عملية طويلة الأمد تهدف إلى بناء قدرات نفسية تمكن الأسر من مواجهة المستقبل. وعلى الرغم من الألم الذي يخيم على الحياة اليومية في غزة، فإن الإرشاد الأسري يظل بارقة أمل تعزز الروح الجماعية وتعيد بناء الثقة في قدرة الإنسان على الصمود أمام أعتى الظروف.