الانتخابات المحلية في فلسطين: قراءة ما بين مأسسة الديمقراطية وإدارتها


Case

2026-04-29 18:52

Copy Link

ليست الانتخابات المحلية في فلسطين تفصيلاً إدارياً عابراً، بل هي اليوم آخر ما تبقّى من بنية ديمقراطية تعمل، ولو جزئياً، داخل نظام سياسي يعاني من انقطاع طويل في شرعيته التمثيلية.

فمنذ آخر انتخابات رئاسية عام 2005 وتشريعية عام 2006، تحوّلت الانتخابات المحلية إلى النافذة الوحيدة المتاحة لقياس نبض الشارع، لا لقياس اكتمال الديمقراطية.

وهنا تبدأ المشكلة، من تجربة تأسيس إلى واقع مُقيّد

ففي انتخابات 2004–2005، كانت الصورة مختلفة جذرياً حيث كانت العملية جزءاً من مشروع سياسي ومؤسسي واضح: بناء قواعد ديمقراطية، ترسيخ المساءلة، وتوسيع المشاركة الشعبية وقد جرت الانتخابات على مراحل، تحت إشراف لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، وبدعم تقني ومالي من شركاء دوليين، أبرزهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبمراقبة دولية واسعة.

من موقعي آنذاك، مديراً لدائرة الحكم الرشيد والإدارة العامة، كنت جزءاً من هذا الجهد التأسيسي:

🔹 دعم مأسسة العملية الانتخابية

🔹  تسهيل استقدام المراقبين الدوليين

🔹  إطلاق حملات توعوية حول حق الانتخاب

🔹  العمل على توحيد المعايير والإجراءات

🔹  تعزيز الثقة بين المواطن والصندوق

كانت الفكرة بسيطة وواضحة: الانتخابات ليست إجراءً، بل عقداً اجتماعياً.

اليوم أرى أن الأرقام تكشف أكثر مما تُخفي ففي انتخابات 2026، لا يكفي القول إن "العملية جرت بنجاح"؛ لـن الأرقام تقول شيئاً آخر:

الاقتراع الفعلي جرى في نحو 183 هيئة محلية مقابل 197 هيئة حُسمت بالتزكية، وقرابة 49 هيئة لم تُقدَّم فيها قوائم، حيث تراوحت نسبة المشاركة في الضفة الغربية بين 53% و56%، وفي دير البلح (غزة) لم تتجاوز 22–23%.

هذه المعطيات، كما أشار د. مصطفى البرغوثي، لا ينبغي أن تُقرأ كنجاح انتخابي تقليدي، بل كمؤشر على مشاركة محدودة ضمن تنافس محدود.

"التزكية" ديمقراطية بلا اختيار

أرى أن الظاهرة الأخطر في هذه الانتخابات ليست فقط انخفاض المشاركة، بل اتساع وارتفاع نسبة التزكية، إذ إن التزكية تعني عملياً غياب المنافسة وغياب البدائل وحسم النتائج مسبقاً: هذا يعني ببساطة أننا أمام عملية تُدار قبل أن تبدأ وهذا وضع غير صحي على الإطلاق ليصبح السؤال المشروع هو: هل يمكن الحديث عن ديمقراطية حين يُلغى جوهرها، أي الاختيار؟

باختصار، الجواب واضح إن العزوف عن التصويت إنما هو انسحاب صامت لا لامبالاة وضعف المشاركة لا يُفسَّر باللامبالاة، بل هو نتيجة تراكمات اساسها:

🔹غياب الانتخابات الرئاسية والتشريعية منذ قرابة عقدين

🔹تآكل الثقة بالنظام السياسي

🔹الأزمة الاقتصادية وحجز أموال المقاصة

🔹الحرب على غزة وانعكاساتها النفسية والاجتماعية

🔹الانقسام السياسي وضعف التنافس الحقيقي

🔹انعدام الثقة خاصة بين الشباب في كل ما هو سياسي

وفي غزة تحديداً، تعكس نسبة المشاركة (حوالي 22%) واقعاً قاسياً: الناس منشغلون بالبقاء، لا بالاقتراع.

القدس: الغائب الذي يُفقد الانتخابات معناها

تبقى القدس خارج العملية الانتخابية الفلسطينية فعلياً، بسبب القيود السياسية والإسرائيلية، وهو ما كان أيضاً سبباً رئيسياً في تعطيل الانتخابات العامة سابقاً وفق تحليلات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

وهذا يطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: كيف يمكن الحديث عن تمثيل ديمقراطي دون القدس؟

الإشادة الدولية: بين الدبلوماسية والحقيقة

فقد رحّب الاتحاد الأوروبي بإجراء الانتخابات هذا العام واعتبرها خطوة مهمة لتعزيز المشاركة الديمقراطية. هذا موقف مفهوم دبلوماسياً—لكن هل هو كافٍ؟

الإشادة تصبح إشكالية عندما تتحول إلى شهادة عافية، بينما الواقع يقول كما أشرنا أعلاه إلى أن هنالك مشكلات رئيسية حصرناها بالتزكية الواسعة، والمشاركة المحدودة جدًا، وغياب الانتخابات العامة واستثناء القدس.

الدبلوماسية اكتفت بالإشادة أما التحليل الصادق فيقول: الخطوة مهمة، لكنها لا تكفي.

المقارنة بين انتخابات 2004-2005 و 2026 ليست عاطفية، بل بنيوية ففي 2004–2005 كانت الانتخابات مشروع مأسسة ديمقراطية حقيقية، قائمة على التنافس السياسي والاجتماعي، مدعومة بثقة نسبية بالصندوق، وانخراط شعبي واسع أما في 2026، فقد تحولت إلى إدارة أزمة ديمقراطية، يغلب عليها منطق التزكية والتوازنات المحلية، مع تآكل واضح في الثقة، وعزوف ملحوظ عن المشاركة

وما نشهده اليوم ليس انهياراً كاملاً، لكنه أيضاً ليس نجاحاً ديمقراطياً إذ أننا أمام ديمقراطية تُدار، لا ديمقراطية تُمارَس بالكامل فالصندوق موجود، ولكن البيئة السياسية التي تعطيه المعنى التنافسي والشمولي وتمنحه الثقة، والمصداقية والسيادة تعاني من اختلال عميق، وأنا شخصيًا أرى أن الأخطر من ذلك كله هو أن المواطن لم يعد يسأل: "من أختار؟ بل "هل الاختيار موجود أصلاً؟".

المراجع

 لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية – بيانات الانتخابات المحلية (2004–2005 و2026)

• برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – تقارير دعم الحوكمة والانتخابات في فلسطين

• تقارير إعلامية دولية (Reuters) حول نسب المشاركة في الضفة وغزة

• المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية – تحليلات حول الانتخابات الفلسطينية والقدس

• تصريحات مصطفى البرغوثي حول دلالات النتائج

 بيانات الاتحاد الأوروبي حول الانتخابات المحلية الفلسطيني

>