
2026-11-02 11:54
لا تبدأ الحرب بإطلاق النار وحده، ولا تنتهي آثارها عند توقفه. فخلف الجبهات تتحرك منظومة من المصانع والعقود والمصارف والتكنولوجيا والتحالفات. وبينما تدفع المجتمعات ثمنها قتلاً وإصابةً ونزوحاً وتدميراً، تستقبل قطاعات صناعية موجاتها المتتالية بوصفها طلباً متزايداً وأسواقاً جديدة.
هنا تظهر إحدى أشد مفارقات العلاقات الدولية قسوة: أن تتحول الكارثة الإنسانية إلى فرصة استثمارية، وأن يصبح استمرار الخطر مصدراً لاستمرار الإيرادات.
ويختصر الانتقال من صناعة السيارات إلى صناعة المسيّرات هذا التحول، فالمهارات الصناعية التي طوّرت وسائل التنقل تستطيع خدمة إنتاج أدوات القتال: المحركات والإلكترونيات والبرمجيات والتجميع وإدارة سلاسل التوريد. لكن القضية تتجاوز تبديل المنتج؛ إنها تتعلق بإعادة توجيه القدرات الاقتصادية، وبالجهة التي تحدد أولويات الصناعة، وبالمسؤولية عن نتائج استخدامها.
بلغ الإنفاق العسكري العالمي عام 2024 نحو 2.718 تريليون دولار، بزيادة حقيقية قدرها 9.4%، وفق البيانات المنشورة في كتاب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري" السنوي لعام 2025. ولا يمثل هذا الرقم مشتريات السلاح وحدها، لكنه يوضح حجم الموارد التي تستوعبها الأنشطة العسكرية وموقعها المتنامي في الموازنات العامة.
وفي الجانب الآخر من المعادلة، قدّر الكتاب نفسه الوفيات المرتبطة بالنزاعات المسلحة عام 2024 بنحو 239 ألفاً، مقارنة بنحو 188 ألفاً في العام السابق، مع تسجيل نزاعات في 49 دولة. وهذه تقديرات وفق المعلومات المتاحة وقت النشر، وليست حصيلة نهائية؛ فقد عدّل إصدار سيبري لعام 2026 تقدير وفيات 2024 إلى نحو 249 ألفاً. ويؤكد ذلك ضرورة تأريخ الأرقام وتجنب تقديمها باعتبارها ثابتة أو مكتملة.
لكن الضحايا لا يُختصرون في عدد القتلى. فهناك المصابون بإعاقات دائمة، والأطفال الذين فقدوا أسرهم وتعليمهم، والنازحون الذين خسروا بيوتهم وأعمالهم، والمرضى الذين انقطع علاجهم، والمجتمعات التي تضررت شبكات مياهها وكهربائها وإنتاجها الغذائي. ويستمر استنزاف الحياة بعد توقف القصف، حين تصبح استعادة مقومات العيش مشروعاً يستغرق سنوات أو عقوداً.
وفي غزة، وثّق سيبري في عرضه لعام 2024 مقتل أكثر من 45,500 فلسطيني بحلول نهاية العام، ونزوح نحو 90% من السكان، وتحول مساحات واسعة إلى ركام. وهذه حصيلة مؤرخة بنهاية 2024، ولا تمثل إجمالي الضحايا حتى اليوم. وهي تكشف أن كلفة الحرب تشمل تدمير الشروط التي تتيح للمجتمع البقاء والتعافي.
في مقابل هذه الخسائر، تتوسع أسواق التسليح. فقد بلغت إيرادات الأسلحة والخدمات العسكرية لأكبر مائة شركة، وفق تقديرات سيبري المنشورة في ديسمبر/كانون الأول 2025، نحو 679 مليار دولار لعام 2024. والمقصود إيرادات المبيعات والخدمات، لا الأرباح الصافية. وهذه التفرقة أساسية لفهم حجم النشاط دون تضخيم المكاسب أو الخلط بين العقود والعائد الفعلي.
لا تثبت زيادة الإيرادات أن الشركات تفتعل كل حرب، لكنها تكشف وجود مصالح اقتصادية تستفيد من اتساع الطلب العسكري. وقد تنشأ حول هذا الطلب شبكة تضم الموردين والمستثمرين والسلطات المحلية والوظائف ومراكز البحث، بما يمنح التوسع العسكري قاعدة ضغط سياسية واجتماعية. وهنا يكمن الخطر: أن تتحول الاستجابة لتهديد أمني إلى اعتماد اقتصادي يصعب التراجع عنه.
وتبرز في هذا السياق محاولات توظيف القدرات المدنية الأوروبية في الإنتاج العسكري. فضعف الطلب على بعض السيارات، وارتفاع التكاليف، والمنافسة الصينية، تدفع شركات إلى البحث عن استخدامات جديدة لمواقعها وخبراتها. وفي الوقت نفسه، تبحث الحكومات عن وسائل لتسريع إنتاج المعدات والذخائر. ويلتقي المساران عند مصانع قائمة وعمال مدربين وسلاسل توريد جاهزة.
ومن الأمثلة مشروع مستقبل مصنع فولكسفاغن في أوسنابروك، حيث أُعلن في سبتمبر/أيلول 2026 اتفاق مبدئي لنقله إلى ملكية جديدة، مع تصور لتحويله تدريجياً إلى أنشطة أمنية ودفاعية وتعاون محتمل مع "رافائيل" الإسرائيلية لإنتاج أنظمة دفاع جوي ومكونات موجهة لألمانيا وأوروبا. هذا مشروع لتحويل موقع صناعي محدد، ولا يبرر القول إن مجموعة فولكسفاغن بأكملها أصبحت مصنعاً للذخائر.
أما رينو، فأعلنت تعاوناً مع تاليس في مشروع "توتاتيس"، وهي ذخيرة مسيّرة، مستهدفة قدرة إنتاجية تبلغ ألف وحدة شهرياً، مع بدء تصنيع مخطط له في 2027. وتتمثل مساهمتها في إعادة تصميم المنتج وتبسيط مكوناته وتهيئته للإنتاج الواسع. وهنا تنتقل خبرة صناعة السيارات إلى قلب اقتصاد الحرب: خفض كلفة الوحدة وتسريع إنتاجها وتيسير تعويض ما يُستهلك منها.
لكن دخول شركة مدنية إلى سلسلة التسليح يحمّلها مسؤوليات تتناسب مع مساهمتها ومعرفتها بالمخاطر. فإذا ساعدت منتجاتها في ارتكاب جرائم، واستمرت في التوريد مع توافر المعرفة أو غيرها من شروط المسؤولية القانونية، فقد يشكل نشاطها مساهمة في تلك الجرائم، وقد تترتب مسؤوليات على الشركة أو مسؤوليها بحسب القانون المختص. ولا يمنحها تاريخها المدني حصانة أخلاقية أو قانونية.
وفي المقابل، لا يكفي تصنيع سلاح أو التعامل مع شركة عسكرية لإثبات الاشتراك الجنائي تلقائياً. المطلوب تحديد المنتج، والمستخدم، وطبيعة المساهمة، والأدلة على المعرفة والارتباط بالجريمة. وهذه الدقة تقوّي المطالبة بالمحاسبة، لأنها تنقلها من الاتهام العام إلى مساءلة قابلة للإثبات.
وقد حذّر خبراء أمميون مستقلون في يونيو/حزيران 2024 من مخاطر مسؤولية الدول والشركات المرتبطة بنقل الأسلحة والذخائر إلى إسرائيل، ودعوا إلى وقف هذه التحويلات. وهذا تحذير حقوقي صادر عن خبراء أمميين، وليس حكماً قضائياً بإدانة كل شركة ورد اسمها أو كل جهة تعاملت معها.
ولا يلغي وصف السلاح بأنه "دفاعي" واجب فحص المخاطر. فوفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يجب تقييم نقل المعدات العسكرية في ضوء القانون الدولي الإنساني وسلوك الجهة المتلقية واحتمالات استخدامها في ارتكاب الانتهاكات أو تسهيلها. ولا تستطيع الاعتبارات التجارية أن تحل محل هذا التقييم.
وتظهر معضلة أخرى عندما يُسوَّق السلاح بوصفه "مجرّباً في القتال". فقد تمنح الخبرة الميدانية المنتج جاذبية تجارية، لكنها لا تثبت مشروعية استخدامه. فإصابة الهدف بدقة لا تجيب عن قانونية استهدافه، ولا عن احترام التناسب وحماية المدنيين. وحين تتحول الحرب إلى شهادة أداء تجارية، يصبح السؤال واجباً: أين اختُبر السلاح، وعلى مَن، وبأي كلفة بشرية؟
ويمتد اقتصاد الحروب إلى إعادة توزيع المال العام. فمع محدودية الموارد، تتنافس الموازنات العسكرية مع التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية والمساعدات التنموية. ولا يمكن افتراض أن كل زيادة عسكرية تُقتطع مباشرة من التنمية، لكن توسيع التسليح مع خفض البرامج المدنية يعني اختياراً سياسياً واضحاً بشأن من يحصل على الموارد ومن يتحمل الحرمان.
وهذه المفاضلة ليست نظرية فقط. فقد أظهرت البيانات الأولية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاض المساعدة الإنمائية الرسمية المقدمة من أعضاء لجنة المساعدة الإنمائية والجهات المنتسبة بنسبة 23.1% عام 2025، في أكبر تراجع سنوي مسجل، مع انخفاض المساعدات الإنسانية بنسبة 35.8%. ولا تثبت هذه الأرقام أن كامل التخفيضات انتقل إلى التسليح، لكنها تكشف حجم تراجع الموارد المخصصة للتنمية والإغاثة في زمن تتوسع فيه الأولويات العسكرية.
وعندما تُموّل المشتريات العسكرية من الضرائب أو الدين العام، تتحمل المجتمعات الكلفة، بينما تذهب حصة من الإيرادات والعوائد إلى الشركات والمساهمين. وقد تنشأ وظائف وفوائد صناعية بالفعل، لكن ذلك لا يعفي السياسة من حساب البدائل: كم مدرسة أو مستشفى أو مشروع مياه أو طاقة كان يمكن تمويله؟ وما أثر خدمة الدين مستقبلاً في قدرة الدولة على الإنفاق الاجتماعي؟
وفي العلاقات الدولية، تتداخل هذه الخيارات مع النفوذ الأميركي ومساعي أوروبا لتعزيز قدراتها. فالضغط الأميركي لزيادة مساهمة الحلفاء في الدفاع موثّق، واتفق الناتو عام 2025 على بلوغ إنفاق يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، موزعاً بين المتطلبات الدفاعية الأساسية والإنفاق المرتبط بالدفاع والأمن. لكن ربط هذا المسار بهدف محدد هو تسليح إسرائيل يحتاج إلى دليل مستقل؛ فلا يثبته مجرد دخول شركات إسرائيلية إلى السوق الأوروبية.
ومع ذلك، تظل الشراكات العسكرية الأوروبية الإسرائيلية موضوعاً مشروعاً للتحقيق والمساءلة: ما وجهة الإنتاج؟ ومن يملك التكنولوجيا؟ وما شروط إعادة التصدير؟ وهل توجد ضمانات فعالة لمنع استخدام المنتجات في انتهاكات؟ هذه أسئلة أكثر قدرة على كشف المسؤوليات من استنتاج النوايا من جنسية المتعاقد وحدها.
إن التحول من صناعة السيارات إلى صناعة المسيّرات يضع السياسة الدولية أمام اختبار يتجاوز كفاءة المصانع. فهو يسأل عما إذا كانت القدرة الصناعية ستظل خاضعة لحماية الإنسان، أم سيصبح الإنسان هو الكلفة التي تُستبعد من حسابات الإنتاج.
فالشركة التي تدخل سلسلة التسليح تدخل معها دائرة المسؤولية، والدولة التي توسع الإنفاق العسكري مطالبة بتبرير كلفته على التنمية. وحين تصبح الحرب طريقاً لإنقاذ المصانع، يصبح واجب السياسة أن تمنع تحوّل استمرارها إلى شرط لازدهار الاقتصاد.
....................................
*باحث في السياسات العامة