
2026-11-05 08:44
مدينة غزة – البعد الرابع (4dPAL)
بين خطر الموت تحت الأنقاض وصعوبة مغادرة ما تبقى من المساكن، تواجه عشرات العائلات في مدينة غزة قرارًا اضطراريًا بالإخلاء، بعدما حذرت وزارة الأشغال العامة والإسكان من أن عددًا من المباني المتضررة بات يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة قاطنيها والمناطق المحيطة بها، في ظل استمرار تداعيات الدمار الواسع الذي طال الأبنية والبنية العمرانية في القطاع.
وأعلنت الوزارة، في بيان صحفي، أنها تستعد لتنفيذ إجراءات إخلاء جبري اضطراري لأربعة مبانٍ تصنف ضمن المنشآت شديدة الخطورة، بعد تعثر محاولات إقناع السكان بمغادرتها طوعًا، مؤكدة أن المهلة الأخيرة الممنوحة للعائلات لتأمين أنفسها وممتلكاتها تنتهي في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، على أن تبدأ الإجراءات الاضطرارية بعد ذلك التاريخ.
وتشمل المباني المستهدفة بالإخلاء بنايات «فورة» و«صيام» و«البايض»، إضافة إلى عمارة «النجمة»، حيث تختلف أوضاع السكان ودرجة الاستجابة للتحذيرات من مبنى إلى آخر، إلا أن القاسم المشترك بينها يتمثل في المخاطر الهندسية التي تقول الوزارة إنها تهدد حياة القاطنين والمحيطين بها.
أربعة مبانٍ تحت دائرة الخطر
وبحسب تفاصيل البيان، فإن بناية "فورة" شهدت محاولات متكررة لدعوة السكان إلى الإخلاء الطوعي، قبل أن توقع الأسر موافقات رسمية على مغادرة المبنى واستكمال هدمه لتفادي انهياره، غير أن الوزارة أشارت إلى أن التنفيذ تعثر لاحقًا بسبب مماطلة الأسر ورفضها الفعلي استكمال إجراءات الإخلاء، ما دفع الجهات الحكومية إلى التلويح بالتدخل الإجباري.
أما مبنى "صيام"، فتقطنه أربع أسر، وقد وافقت جميعها مبدئيًا على الإخلاء بعد إبلاغها بخطورة الوضع، فيما غادرت أسرتان بالفعل، بينما لا تزال أسرتان داخل المبنى وترفضان المغادرة حتى الآن، وفق ما ورد في البيان.
وفي مبنى "البايض"، تتفاقم صعوبة التعامل مع الوضع بسبب رفض مالك العقار السماح للطواقم الحكومية بالدخول لإجراء الكشف الهندسي وحصر الأسر المقيمة داخله، والتي يتراوح عددها بين ثماني وعشر أسر. وأوضحت الوزارة أنها أخطرت السكان بخطورة المبنى، ووضعت علامات تحذيرية عليه تشير إلى احتمال انهياره في أي لحظة.
أما عمارة "النجمة"، فتضم نحو عشر أسر، في حين تقيم قرابة 25 أسرة أخرى في المباني والمساكن المحيطة بها بصورة مباشرة، ما يوسع نطاق الخطر المحتمل ليشمل عشرات العائلات، وليس سكان العمارة وحدهم. وأشارت الوزارة إلى أن التحذيرات المتكررة بضرورة الإخلاء لم تلقَ استجابة فعلية حتى الآن.
10 نوفمبر.. نهاية المهلة وبداية الإخلاء الجبري
وحددت وزارة الأشغال العامة والإسكان العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعدًا نهائيًا أمام سكان المباني الأربعة لتنفيذ الإخلاء الطوعي، ومنحتهم ما تبقى من أيام لتأمين ممتلكاتهم ومغادرة المنشآت المهددة.
وأكدت أن الأجهزة الحكومية المختصة ستباشر، بعد انتهاء المهلة، إجراءات الإخلاء الجبري الاضطراري، بالتنسيق مع وزارة الداخلية والجهات ذات العلاقة، معتبرة أن هذا الخيار يأتي بعد استنفاد محاولات الإخلاء الطوعي، وفي إطار مسؤوليتها عن حماية حياة السكان.
كما أشارت إلى أن التنسيق الحكومي يشمل متابعة التداعيات الإنسانية والاجتماعية المترتبة على عمليات الإخلاء، والعمل على توفير ما يمكن تقديمه من إسناد للعائلات المتضررة، في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها سكان القطاع.
خطر الانهيار وأزمة السكن.. معادلة معقدة
ولا تنفصل هذه الإجراءات عن واقع عمراني وإنساني بالغ الصعوبة في مدينة غزة، حيث أدت الأضرار الواسعة التي لحقت بالمباني السكنية إلى بقاء عائلات داخل منشآت متصدعة، بعضها يفتقر إلى مقومات السلامة، في وقت لا تتوفر فيه بدائل سكنية كافية لاستيعاب الأعداد الكبيرة من المتضررين والنازحين.
وتضع هذه الظروف العائلات أمام معادلة قاسية؛ فمغادرة المبنى تعني فقدان ما تبقى لها من مأوى وممتلكات، بينما ينطوي البقاء فيه على مخاطر قد تتضاعف مع الأمطار والرياح والظروف الجوية خلال فصل الشتاء، خصوصًا إذا كانت المنشأة تعاني تصدعات إنشائية تهدد استقرارها.
كما أن وجود مبانٍ مهددة بالانهيار وسط مناطق سكنية مكتظة يجعل الخطر يتجاوز حدود العقار المتضرر، إذ يمكن أن تمتد تداعيات أي انهيار إلى الأبنية المجاورة والمارة والسكان المحيطين، وهو ما يفسر إصرار الوزارة على ضرورة إخلاء عمارة «النجمة» والمباني الأخرى المشمولة بالقرار.
وفي المقابل، يبرز تحدٍ إنساني لا يقل أهمية عن الجانب الهندسي، يتمثل في ضرورة توفير أماكن بديلة للعائلات التي ستضطر إلى مغادرة منازلها، وعدم تركها أمام مصير النزوح مجددًا دون ضمانات للإيواء والحماية، خاصة أن كثيرًا من سكان غزة فقدوا مساكنهم بالفعل خلال الحرب.
مسؤولية الحماية وضرورة المعالجة الإنسانية
ويعيد القرار فتح ملف المباني الآيلة للسقوط في قطاع غزة، باعتباره أحد التداعيات طويلة الأمد للدمار الذي طال المنشآت السكنية، وما يفرضه من حاجة إلى عمليات مسح هندسي شاملة، وتحديد درجات الخطورة، وتأمين المعدات اللازمة للتدعيم والإزالة، إلى جانب وضع حلول إيواء للأسر التي يتعذر عليها العودة إلى مساكنها.
وبينما تؤكد وزارة الأشغال أن حماية الأرواح تفرض التدخل لإخلاء المباني شديدة الخطورة، فإن نجاح هذه الإجراءات لا يرتبط فقط بتنفيذ قرارات المغادرة، بل يتطلب أيضًا معالجة مصير العائلات التي ستفقد مساكنها، وتوفير الحد الأدنى من الحماية والإسناد لها.
ففي مدينة أنهكها الدمار والنزوح، لا يمثل إخلاء المباني المتصدعة مجرد إجراء هندسي، بل اختبارًا لقدرة الجهات المختصة على الموازنة بين حماية حياة المواطنين ومنع انهيار ما تبقى من استقرارهم المعيشي، في وقت لم يعد فيه المنزل المتضرر آمنًا، ولا تتوفر فيه بالضرورة وجهة بديلة تحمي أصحابه من التشرد.