أخبار

وعد بلفور.. رسالة بريطانية غيّرت مسار فلسطين

Case

2026-11-02 07:50

Copy Link

فلسطين – البعد الرابع (4dPAL)

في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917، وجّه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أعلن فيها تأييد الحكومة البريطانية إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين. لم تكن الرسالة سوى فقرة قصيرة، لكنها تحولت إلى واحدة من أكثر الوثائق تأثيرًا في التاريخ الفلسطيني الحديث، بعدما أصبحت لاحقًا جزءًا من الأساس السياسي الذي استند إليه الانتداب البريطاني في إدارة فلسطين.

وبعد 109 أعوام على صدور الوعد، لا تزال ذكراه حاضرة في النقاش حول جذور القضية الفلسطينية، ومسؤولية بريطانيا التاريخية، والتحولات التي شهدتها البلاد منذ نهاية الحكم العثماني، وصولًا إلى النكبة وقيام إسرائيل واستمرار الصراع على الأرض والحقوق والهوية.

رسالة عام 1917.. ماذا قال بلفور؟

صدر الوعد في رسالة رسمية مؤرخة في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917، نقل فيها بلفور، باسم الحكومة البريطانية، تأييدها لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وتعهدت ببذل جهودها لتسهيل تحقيق هذا الهدف.

وتضمنت الرسالة شرطًا ينص على عدم القيام بأي عمل من شأنه الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو بالحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.

لكن الصياغة حملت تناقضًا لافتًا؛ إذ تحدثت عن الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود، من دون الإشارة صراحة إلى حقوقهم السياسية أو الوطنية، رغم أنهم كانوا يشكلون الغالبية السكانية في فلسطين آنذاك.

كما أن الرسالة لم تكن إعلانًا عن قيام دولة، ولم تتضمن تحديدًا لشكل النظام السياسي المستقبلي في فلسطين، لكنها منحت المشروع الصهيوني دعمًا رسميًا من إحدى القوى الدولية الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى.

بريطانيا وفلسطين.. من الوعد إلى الانتداب

لم يبقَ وعد بلفور في حدود الرسالة السياسية، بل انتقل إلى إطار دولي وإداري أوسع بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتفكك الدولة العثمانية.

ففي مؤتمر سان ريمو عام 1920، أُسند الانتداب على فلسطين إلى بريطانيا، ثم أقر مجلس عصبة الأمم صك الانتداب في 24 تموز/يوليو 1922، ودخل حيز التنفيذ رسميًا في 29 أيلول/سبتمبر 1923.

وتضمّن صك الانتداب التزامًا بريطانيًا بتنفيذ ما ورد في وعد بلفور، وجعل إقامة الوطن القومي اليهودي جزءًا من مسؤوليات الإدارة البريطانية، كما نص على الاعتراف بالمنظمة الصهيونية بوصفها جهة عامة تتعاون مع الإدارة في المسائل المرتبطة بهذا المشروع.

وبذلك، انتقل الوعد من رسالة سياسية إلى التزام مضمّن في وثيقة الانتداب، الأمر الذي منح المشروع الصهيوني إطارًا دوليًا وإداريًا أوسع، في وقت لم يُمنح فيه الفلسطينيون إطارًا مماثلًا لتقرير مصيرهم السياسي.

من الانتداب إلى النكبة

شهدت فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني تحولات سياسية وديمغرافية متسارعة، ارتبطت بالهجرة اليهودية وتطور المؤسسات الصهيونية، مقابل تصاعد الحركة الوطنية الفلسطينية ورفض قطاعات واسعة من الفلسطينيين للسياسات البريطانية ومشروع إقامة وطن قومي لليهود على أرضهم.

وتصاعدت المواجهة بين الحركة الوطنية الفلسطينية والسلطات البريطانية والمشروع الصهيوني، وشهدت البلاد احتجاجات وثورات، كان أبرزها الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، التي طالبت بوقف الهجرة اليهودية وإنهاء الانتداب وإقامة حكومة وطنية.

وفي عام 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181، الذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، مع وضع دولي خاص للقدس. رفضت القيادة العربية الفلسطينية والدول العربية الخطة، فيما قبلتها القيادة الصهيونية، ثم اندلعت الحرب التي رافقت نهاية الانتداب البريطاني وإعلان قيام إسرائيل عام 1948.

وشهدت تلك المرحلة تهجيرًا واسعًا للفلسطينيين من مدنهم وقراهم، في الحدث الذي يُعرف بالنكبة، وما زالت آثاره قائمة في قضية اللاجئين وحق العودة، إلى جانب فقدان الأراضي والممتلكات وتفكك التجمعات الفلسطينية.

ولا يمكن اختزال جميع هذه التطورات في رسالة بلفور وحدها؛ فقد تداخلت معها قرارات دولية وسياسات بريطانية وصراعات عسكرية وتحولات إقليمية، لكن الوعد شكّل محطة أساسية في المسار السياسي الذي سبق قيام إسرائيل.

المسؤولية البريطانية.. إرث تاريخي وأسئلة سياسية وقانونية

بعد أكثر من قرن على صدور الوعد، لا تزال مسؤولية بريطانيا التاريخية موضع نقاش سياسي وأكاديمي وقانوني، خصوصًا فيما يتعلق بدورها خلال فترة الانتداب، وطبيعة الالتزامات التي تضمنها صك الانتداب تجاه السكان الفلسطينيين.

ويطرح هذا الملف أسئلة تتجاوز الاعتراف الرمزي بالخطأ التاريخي، إلى طبيعة المسؤولية عن السياسات التي اتُّبعت خلال فترة الانتداب، ومدى إمكانية ترجمة المطالب الفلسطينية إلى خطوات سياسية أو قانونية.

لكن التمييز ضروري بين المسؤولية التاريخية والسياسية من جهة، والمسؤولية القانونية التي تحتاج إلى تحديد أساسها واختصاص المحكمة والأدلة المتاحة من جهة أخرى؛ فمرور الزمن ووجود وثيقة تاريخية لا يحسمان وحدهما مسألة المسؤولية القانونية أو آليات التعويض والمساءلة.

وتبقى المواقف البريطانية من القضية الفلسطينية، والاعتراف بالحقوق الفلسطينية، والعلاقة بين السياسة الحالية والإرث الاستعماري، ملفات تستحق البحث والمساءلة، بعيدًا عن الاكتفاء بإحياء الذكرى السنوية.

وعد بلفور في الذاكرة الفلسطينية

لم يعد وعد بلفور بالنسبة إلى الفلسطينيين مجرد وثيقة محفوظة في الأرشيف البريطاني، بل أصبح رمزًا لمرحلة ارتبطت بتدويل القضية الفلسطينية، والتدخل الخارجي في مستقبل البلاد، وغياب الإرادة السياسية للسكان الأصليين عن القرارات التي رسمت مصير أرضهم.

وتتجدد دلالات الذكرى مع استمرار قضايا الاحتلال والاستيطان والتهجير واللاجئين والقدس، وهي ملفات بقيت في صلب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رغم مرور عقود على نهاية الانتداب البريطاني.

كما تستحضر الذكرى حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، والتمسك بالهوية الوطنية والحقوق التاريخية، باعتبارها قضايا لا تختصرها التحولات السياسية ولا تنهيها السنوات.

109 أعوام.. ما الذي بقي من الوعد؟

بعد 109 أعوام، لا تكمن أهمية وعد بلفور في نصه وحده، بل في المسار التاريخي الذي ساعد على فتحه، وفي الأسئلة التي لا تزال تلاحق بريطانيا والمجتمع الدولي بشأن مستقبل فلسطين وحقوق شعبها.

فبين رسالة صدرت في لندن عام 1917، وواقع فلسطيني ما زال يواجه الاحتلال والتهجير والاستيطان، تتواصل المطالب بمراجعة الإرث التاريخي، وتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية، والعمل على ضمان الحقوق الفلسطينية وفق قواعد القانون الدولي.

وبينما تستمر الذكرى في إعادة فتح صفحات التاريخ، يبقى السؤال الأهم: هل يتحول الاعتراف بتداعيات وعد بلفور إلى خطوات عملية لمعالجة آثارها، أم تظل المسؤولية التاريخية حاضرة في الخطابات والبيانات، فيما تستمر تداعياتها على حياة الفلسطينيين؟