2026-10-10 06:40
رام الله - البعد الرابع (4dPAL)
تعود الانتخابات الفلسطينية إلى واجهة المشهد السياسي، وسط تساؤلات متجددة بشأن إمكانية تحويل تأجيلها إلى فرصة لإنهاء الانقسام الداخلي، أو أن يتحول إلى محطة جديدة في مسار التأجيلات الذي أبقى الحياة السياسية الفلسطينية من دون تجديد انتخابي شامل لسنوات طويلة.
وبين الحديث عن ضرورات التوافق الوطني والتحديات السياسية والميدانية، يبرز التساؤل بشأن مستقبل الاستحقاق الانتخابي، وما إذا كان تأجيله سيمنح القوى الفلسطينية مساحة إضافية لمعالجة خلافاتها، أم سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة السياسية وتعميق فجوة الثقة بين الشارع الفلسطيني والمؤسسات القائمة.
بين ضرورات التوافق ومخاوف التأجيل المفتوح
يطرح التأجيل، في حال إقراره رسميًا، مسارين محتملين؛ أولهما أن يشكّل فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإطلاق حوار وطني جاد يعالج الخلافات السياسية والتنظيمية بين القوى والفصائل، ويمهّد لانتخابات تقوم على التوافق والشراكة واحترام النتائج.
ويستند هذا الاحتمال إلى أهمية استئناف الحوار الوطني الشامل، بمشاركة مختلف القوى والفصائل الفلسطينية، بهدف معالجة الانقسام ومواجهة التحديات التي تعترض القضية الفلسطينية، وصولًا إلى صيغة سياسية مشتركة تضمن مشاركة أوسع في صنع القرار الوطني.
لكن المسار الثاني يظل حاضرًا بقوة، ويتمثل في أن يؤدي التأجيل إلى إطالة أمد الأزمة السياسية، إذا لم يُربط بجدول زمني واضح، وخطوات عملية قابلة للقياس، وضمانات تحول دون تكرار تجربة عام 2021، عندما أُرجئت الانتخابات الفلسطينية التي كان يُفترض أن تشكّل مدخلًا لتجديد الشرعيات السياسية والمؤسسية.
فالتجربة السابقة تجعل قطاعات من الشارع الفلسطيني تنظر بقلق إلى أي تأجيل جديد، خصوصًا أن الانتخابات التشريعية لم تُجرَ منذ عام 2006، فيما لم تُجرَ انتخابات رئاسية منذ عام 2005. وبذلك، لا يتعلق النقاش بموعد انتخابي فحسب، بل بمسألة أوسع ترتبط بتمثيل الفلسطينيين، وتجديد المؤسسات، وإتاحة المجال أمام المواطنين للمشاركة في تحديد خياراتهم السياسية.
هل يشكّل الانقسام عائقًا أمام الانتخابات أم أن الانتخابات مدخل لإنهائه؟
تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في العلاقة المتشابكة بين الانتخابات وإنهاء الانقسام؛ فهناك من يرى أن التوافق الوطني ينبغي أن يسبق صناديق الاقتراع، بما يضمن قبول مختلف الأطراف بنتائج الانتخابات، ويحول دون تجدد الصراع على السلطة.
وفي المقابل، يرى اتجاه آخر أن استمرار تأجيل الانتخابات بحجة غياب التوافق قد يكرّس الانقسام بدلًا من معالجته، وأن الاحتكام إلى إرادة الناخبين يمكن أن يشكّل مدخلًا لتجديد الشرعيات وإعادة بناء النظام السياسي.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا في ظل الخلافات بين القوى الفلسطينية بشأن إدارة قطاع غزة، ومستقبل المؤسسات السياسية، وشكل النظام السياسي، والعلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، فضلًا عن التحديات المرتبطة بمشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية، والظروف الميدانية والإنسانية التي يعيشها سكان القطاع.
ومن هنا، فإن أي حوار وطني لا ينبغي أن يقتصر على الاتفاق على تأجيل الانتخابات أو تحديد موعد بديل لها، بل يحتاج إلى معالجة القضايا التي أدت إلى تعثر الاستحقاقات السابقة، وتحديد قواعد واضحة للمنافسة السياسية، والاتفاق على آليات تنفيذ النتائج، وضمان مشاركة مختلف القوى في العملية الديمقراطية.
الظروف الميدانية والقيود الإسرائيلية
لا يمكن فصل الاستحقاق الانتخابي عن الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي، وما يفرضه من قيود على الحركة والتنظيم السياسي، فضلًا عن الدمار الواسع في قطاع غزة، والصعوبات اللوجستية والأمنية التي تواجه تنظيم انتخابات في مختلف المناطق الفلسطينية.
وتطرح هذه الظروف تحديات فعلية أمام ضمان شمولية العملية الانتخابية وحرية المشاركة ونزاهتها، ولا سيما في قطاع غزة والقدس الشرقية. لكنها تثير في الوقت ذاته تساؤلات بشأن الكيفية التي يمكن من خلالها تجاوز هذه العقبات، بدلًا من أن تتحول إلى أسباب دائمة لتعطيل الانتخابات.
ويقتضي ذلك تحديد العقبات بصورة واضحة، والعمل على معالجتها سياسيًا وقانونيًا ودوليًا، ووضع بدائل عملية تضمن أوسع مشاركة ممكنة، مع الحفاظ على نزاهة العملية الانتخابية وشرعيتها.
الاختبار الحقيقي: ماذا بعد التأجيل؟
لا تتوقف دلالات التأجيل عند القرار نفسه، بل تتحدد أساسًا بما سيترتب عليه، فإذا اقترن بحوار وطني شامل، وجدول زمني معلن، وخطوات واضحة لإنهاء الانقسام ومعالجة القضايا الخلافية، فقد يتحول إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والجمهور الفلسطيني.
أما إذا اقتصر على إرجاء الموعد من دون ضمانات أو مسار سياسي محدد، فمن شأنه أن يعمّق أزمة الثقة، ويزيد التساؤلات بشأن مستقبل الحياة الديمقراطية الفلسطينية وقدرة المؤسسات على تجديد شرعيتها.
وبين الاحتمالين، يبقى السؤال الأساسي: هل يكون التأجيل مقدمة لتوافق وطني يفتح الطريق أمام انتخابات شاملة، أم أن غياب الاتفاق على معالجة جذور الانقسام سيجعل الموعد الجديد عرضة للتأجيل مرة أخرى؟
في المحصلة، لا يُقاس نجاح أي خطوة سياسية بمجرد إعلانها، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في الواقع، والاختبار الحقيقي أمام القوى الفلسطينية يتمثل في تحويل الحوار من تصريحات ولقاءات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، تضمن حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، وتفتح الطريق أمام تجديد الشرعيات، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وبناء نظام سياسي أكثر قدرة على مواجهة التحديات الوطنية.
