2026-10-05 10:19
غزة - البعد الرابع (4dpal)
في الوقت الذي يحتفل فيه العالم، اليوم الإثنين، بيوم الإسكان العالمي تحت شعار "الإسكان الملائم للجميع"، تقف غزة أمام واقع يناقض جوهر المناسبة؛ ملايين الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم خلال الحرب ما زالوا يواجهون أزمة سكن واسعة، فيما تحولت مساحات كبيرة من القطاع إلى أحياء مدمرة ومناطق تغطيها الأنقاض.
وتظهر أحدث البيانات الأممية حجم الدمار الذي أصاب القطاع، فبحسب تقييم للأمم المتحدة للأضرار، تضرر نحو 201,290 مبنى في غزة حتى 16 حزيران/يونيو 2026، أي ما يقارب 82% من إجمالي المباني في القطاع، بينها أكثر من 134 ألف مبنى دُمر بالكامل، فيما تعرضت عشرات الآلاف من المباني لأضرار شديدة أو متوسطة.
أما قطاع الإسكان، فقد سجل أحد أكبر مستويات الخسائر، وتشير التقديرات الأممية إلى تضرر نحو 328,627 وحدة سكنية، فيما خلص التقييم النهائي للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي إلى أن أكثر من 371,888 وحدة سكنية دُمرت أو تضررت، في رقم يعكس حجم الكارثة التي لحقت بمساكن الفلسطينيين خلال الحرب.
وراء كل رقم منزل كان يعيش فيه فلسطينيون، وعائلات كانت تتقاسم تفاصيل حياتها اليومية، وأطفال اعتادوا العودة إلى غرفهم، وذكريات ارتبطت بأماكن لم تعد موجودة.
فالمبنى الذي يظهر في صور الأقمار الصناعية كهيكل مدمر كان بالنسبة لعائلة ما بيتًا، ومكانًا للأمان، ومساحة للحياة الخاصة، وجزءًا من حيٍّ يعرف سكانه بعضهم بعضًا.
ومع اتساع رقعة الدمار، لم تعد أزمة السكن في غزة مرتبطة فقط بفقدان جدران وأسقف، بل أصبحت أزمة تتعلق بإمكانية توفير مأوى آمن ومناسب لملايين الأشخاص الذين نزح معظمهم مرات متعددة خلال الحرب.
ويشير تقرير للمجلس النرويجي للاجئين إلى أن قرابة كامل سكان غزة تعرضوا للنزوح خلال سنوات الحرب، فيما يعيش كثيرون في خيام أو مبانٍ متضررة أو منشآت مؤقتة تفتقر إلى المساحة والخصوصية والحماية الكافية. كما قدر تقييم متعدد المصادر أُجري في كانون الثاني/يناير 2026 تضرر أكثر من 320 ألف وحدة سكنية.
ولا تتوقف الخسائر عند المنازل نفسها، إذ أصاب الدمار قطاعات أساسية مرتبطة بالحياة داخل التجمعات السكنية.
ويظهر تقييم الأضرار والاحتياجات الذي أجرته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي أن قطاع الإسكان كان الأكثر تضررًا من بين القطاعات الرئيسية، مع تقدير الأضرار المباشرة فيه بنحو 18 مليار دولار، أي أكثر من نصف إجمالي الأضرار المادية المقدرة في غزة.
وبحسب التقييم نفسه، بلغت الأضرار المادية المباشرة في القطاع نحو 35.2 مليار دولار، فيما قُدرت الاحتياجات اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار خلال السنوات العشر المقبلة بنحو 71.4 مليار دولار.
وتعني هذه الأرقام أن إعادة بناء المنازل لن تكون عملية منفصلة عن إعادة بناء البنية التحتية والخدمات الأساسية، من المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق، إلى المدارس والمرافق الصحية والأسواق.
وفي غزة، لا يزال مفهوم «المأوى» بالنسبة لآلاف العائلات مرتبطًا بالخيام والمباني المتضررة والمساكن المؤقتة، في وقت يحتاج فيه السكان إلى حلول أكثر استدامة وأمانًا.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 1.9 مليون فلسطيني نزحوا داخل قطاع غزة خلال الحرب، كثير منهم أكثر من مرة، فيما فقد أكثر من 60% من سكان القطاع منازلهم وفق التقييم الأممي الصادر في نيسان/أبريل 2026.
ولا تقتصر أزمة النازحين على فقدان المسكن، بل تمتد إلى ظروف المعيشة المحيطة به. فالأضرار الواسعة التي لحقت بشبكات المياه والصرف الصحي، إلى جانب نقص مستلزمات الإيواء، تجعل العودة إلى المناطق المدمرة غير ممكنة لكثير من العائلات حتى في الحالات التي لا يكون فيها المنزل قد دُمر بالكامل.
وتعطي صور الأقمار الصناعية صورة عن حجم الدمار الذي يصعب إدراكه من خلال الأرقام وحدها.
فالتقييم الأممي حتى منتصف حزيران/يونيو أظهر تضرر نحو 82% من مباني القطاع، بينما أظهرت تحديثات لاحقة أن المشهد العمراني في مناطق واسعة من غزة بات يتكون من مبانٍ مدمرة أو متضررة بدرجات مختلفة.
وأظهرت صور أقمار صناعية محدثة نُشرت في الأيام الأخيرة حجم الدمار في مناطق مثل بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا والشجاعية ورفح، مع انتشار واسع للأنقاض ومناطق سكنية فقدت كثيرًا من معالمها السابقة.
وتقدر الأمم المتحدة كمية الركام الناتجة عن الدمار في غزة بعشرات الملايين من الأطنان، ما يجعل إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل المناطق السكنية تحديًا هندسيًا وبيئيًا وإنسانيًا ضخمًا.
في يوم يفترض أن يذكّر العالم بحق الإنسان في الحصول على مسكن ملائم وآمن، تبدو غزة أمام سؤال مختلف: كيف يمكن لملايين الأشخاص أن يجدوا مسكنًا بعدما دمرت الحرب جزءًا هائلًا من البيئة العمرانية التي كانت تؤويهم؟
فالعودة إلى غزة التي كانت قائمة قبل الحرب لا تعني إعادة بناء المنازل وحدها، وإنما إعادة بناء الأحياء والشوارع وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والمستشفيات وكل ما يجعل المكان صالحًا للحياة.
ويؤكد التقييم الأممي أن قطاع غزة يحتاج إلى نحو 71.4 مليار دولار للتعافي وإعادة الإعمار على مدى عقد، مع حاجة إلى 26.3 مليار دولار خلال أول 18 شهرًا لاستعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية ودعم التعافي الاقتصادي.
يأتي يوم الإسكان العالمي هذا العام تحت شعار "الإسكان الملائم للجميع"، لكن سكان غزة يواجهون واقعًا تتسع فيه الفجوة بين هذا الحق وبين القدرة الفعلية على الوصول إلى منزل آمن.
وبينما تستمر الحاجة إلى المأوى، تبقى إعادة الإعمار مرتبطة بقدرة السكان على العودة إلى مناطقهم، وتوفير المواد والمعدات اللازمة لإزالة الركام وإعادة البناء، إلى جانب إصلاح البنية التحتية والخدمات التي تجعل السكن قابلًا للحياة.
وفي غزة، لم يعد الحديث عن الإسكان مجرد نقاش حول الأبنية والخرسانة، بل عن حق ملايين الفلسطينيين في مكان آمن يعيشون فيه، وعن أحياء كاملة فقدت شكلها، وبيوت تحولت إلى ركام، وعائلات تبحث عن مساحة يمكن أن تسميها مرة أخرى «منزلًا».
وفي يوم الإسكان العالمي، تختصر غزة المفارقة بأقسى صورها: العالم يتحدث عن "الإسكان الملائم للجميع"، فيما يبحث سكان القطاع عن أبسط شروط المأوى، وسط دمار طال أكثر من أربعة أخماس مبانيه وأزمة إعادة إعمار تقدر كلفتها بعشرات المليارات.
