
2026-09-20 09:35
رام الله - ضحى مزيد - البعد الرابع (4dpal)
لا يحتاج الضم بالضرورة إلى إعلان رسمي يخرج فيه مسؤول ليقول إن الأرض أصبحت جزءًا من دولة أخرى. أحيانًا يبدأ الأمر من سلسلة إجراءات تبدو منفصلة: أرض تُصادر، مستوطنة تتوسع، صلاحيات تنتقل من جهة إلى أخرى، وسجلات مدنية وعقارية تصبح مرتبطة بجهة تملك القرار النهائي.
ومن هنا برز خلال الفترة الأخيرة تعبير "الضم التدريجي" لوصف مسار يرى مراقبون وخبراء أنه يتشكل عبر تراكم الوقائع على الأرض، بما يفتح سؤالًا يتجاوز المصطلح نفسه: هل يمكن أن يتحول الاحتلال، بفعل هذا التراكم، إلى واقع دائم دون مرسوم أو إعلان رسمي؟
وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في سبتمبر/أيلول 2026 من استمرار مسار "الضم التدريجي" في الضفة الغربية، بالتزامن مع إجراءات إسرائيلية مرتبطة بالأرض والاستيطان والسيطرة المدنية.
لكن أين ينتهي الاحتلال ويبدأ الضم؟ وهل تتوقف المسألة عند السيطرة على الأرض، أم يمكن أن تمتد إلى الإنسان نفسه، فتطال مركزه القانوني وحقوقه وحياته اليومية؟
هذه الأسئلة حملها "البعد الرابع" إلى المحامي والخبير في القانون الدولي غاندي ربعي، الذي وضع ما يجري في الضفة الغربية أمام قراءة قانونية تتناول طبيعة السيطرة، وحدود الصلاحيات الفلسطينية، وما قد يترتب على استمرار هذا المسار.
في جوهر المشهد، يضع ربعي معادلة يصفها بأنها محاولة لـ"ضم الأرض دون ضم السكان"، فالمسألة، وفق هذه القراءة، لا تتعلق بالسيطرة على الأراضي الفلسطينية فحسب، بل بممارسة صلاحيات أمنية وإدارية عليها، مع تجنب إعلان رسمي بالضم وما قد ينشأ عنه من التزامات قانونية تجاه السكان الفلسطينيين.
وتظهر هذه الإشكالية أيضًا في طبيعة المركز القانوني للفلسطيني، حيث يشير ربعي إلى استخدام وصف "الساكن" بدلًا من "المواطن"، كما يقول إنه جرى في القدس، وبين الأرض التي تخضع للسيطرة والإنسان الذي يعيش عليها، يتشكل واقع قانوني ملتبس: الفلسطيني موجود على أرضه، لكن دون أن تتطابق حقوقه ومركزه القانوني مع حجم السلطة التي تُمارس على حياته.
القانون الدولي يميز بين الاحتلال والضم، فالاحتلال لا ينقل السيادة إلى القوة القائمة به، ويُفترض أن يكون وضعًا مؤقتًا، بينما يرتبط الضم بالسعي إلى فرض سيطرة دائمة على الأرض.
وفي رأيها الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن عددًا من السياسات والممارسات الإسرائيلية، بما فيها استمرار وتوسع المستوطنات وتطبيق القانون الإسرائيلي على نطاق واسع في الضفة، رسخت السيطرة على أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، واعتبرت أن هذه السياسات والممارسات ترقى إلى ضم أجزاء واسعة من الأراضي المحتلة.
وفي هذا السياق، يضع ربعي فارقًا بين صورتين للسيطرة: "الفعل الاحتلالي" الذي يتمثل، بحسب وصفه، في وجود القوات الإسرائيلية في أرض واقعة تحت الاحتلال، وبين ما يعتبره "الضم الفعلي" من خلال انتقال ممارسة الصلاحيات إلى السلطات العسكرية والمدنية الإسرائيلية.
وهنا يتغير السؤال من: من يسيطر عسكريًا؟ إلى سؤال أكثر التصاقًا بحياة الفلسطيني: من يملك القرار؟
مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات والبؤر، وتسجيل الأراضي في المنطقة "ج"، ونقل صلاحيات التخطيط والأراضي إلى جهات مدنية إسرائيلية، لا تبدو في قراءة ربعي إجراءات منفصلة، بل حلقات ضمن مسار واحد.
فالسيطرة، بحسب هذه القراءة، لا تبقى عند حدود الأرض، وإنما تمتد إلى المرجعيات التي تنظم حياة الفلسطيني، "مرجعية فلسطينية صوريًا، ولكن فعليًا من يملك القرار هو الإسرائيلي"، بهذه العبارة يلخص ربعي الفجوة التي يراها بين الشكل الإداري والقرار الفعلي.
وتبرز الصورة بصورة أوضح عند الحديث عن السجلات المدنية والعقارية وسجل النفوس والسفر، وهي ملفات تمس صميم الحياة اليومية وتحدد جانبًا من المركز الإداري والقانوني للفرد، ويختصر ربعي هذه المعادلة بالقول: "الكمبيوتر الحقيقي والسجل المدني والعقاري وسجل النفوس وحتى السفر هو إسرائيلي".
وبمرور الوقت، يعتقد أن تقلص الدور الفلسطيني في هذه الملفات قد يدفع السلطة إلى حالة يصبح فيها وجودها، بحسب تعبيره، "شيئًا فشيئًا وجودًا شكليًا".
إذا كانت السيطرة على الأرض هي الوجه الأول للمسألة، فإن الوجه الآخر يتعلق بمن يعيش فوقها، هنا ينتقل النقاش من الجغرافيا إلى الشخصية القانونية للفلسطيني. فبحسب ربعي، الخطر لا يكمن فقط في فقدان السيطرة على الأرض، وإنما في أن يصبح الإنسان نفسه خاضعًا لمنظومة قرار لا تمنحه الحقوق التي تترتب عادة على هذه السيطرة.
"أنت عبارة عن رقم، ملف، ليس لك وجود يشمل حقوقك"، يقول ربعي، قبل أن يختصر الصورة بعبارة أخرى: "أنت عبارة عن ملف ورقم لدى دائرة إسرائيلية".
ويضع ضمن هذه الصورة ملفات السفر والاعتقال والقرارات الإدارية، مشيرًا إلى أن الفلسطيني قد يخضع لصلاحيات إسرائيلية مباشرة، رغم عدم حمله الجنسية الإسرائيلية وعدم تمتعه بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها المواطن الإسرائيلي.
ويقول: "يمكن قتلك، يمكن سجنك، يمكن منعك من السفر. جميع الحقوق التي تنطبق على المواطنين الإسرائيليين لا تنطبق على الفلسطينيين"، بهذا المعنى، تصبح القضية، في قراءته، أكبر من إدارة أرض محتلة؛ إنها تتصل بالمركز القانوني للإنسان نفسه، وبالسؤال عن الحقوق التي يحملها في المكان الذي يعيش فيه.
لكن وجود القواعد القانونية الدولية لا يعني بالضرورة قدرتها على وقف الوقائع على الأرض، وهنا يضع ربعي المشكلة في مسألة التنفيذ، معتبرًا أن القانون الدولي لا يتحرك تلقائيًا بمجرد وجود النص، "القانون الدولي عبارة عن نصوص، يعني لا يتحرك من تلقاء نفسه"، يقول.
وبالنسبة إليه، تبقى القواعد القانونية محدودة الأثر ما لم تتحول إلى ضغط وإجراءات عملية، مضيفًا: "ما لم تكن هناك إرادة دولية ومجتمع دولي يضغط باتجاه نيل الشعب الفلسطيني حقوقه المقرر وفق هذا القانون، يبقى حبرًا على ورق".
وتتصل هذه النقطة بما خلصت إليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024، إذ اعتبرت أن السياسات والممارسات الإسرائيلية تعيق ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير، وأن استمرار الوضع القائم لا يمكن أن يتحول إلى مصدر لسيادة على الأرض المحتلة.
ولا يفصل ربعي الواقع الحالي عن اتفاقيات أوسلو، معتبرًا أن طريقة صياغتها أبقت ملفات أساسية خارج السيطرة الفلسطينية الكاملة، المعابر والحدود والضرائب والأموال والوقود والسجلات المدنية وسجلات الأراضي، كلها ملفات يضعها ضمن منظومة يرى أنها حدّت من قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة صلاحياتها بصورة كاملة.
ويذهب إلى أن الجانب الفلسطيني دخل المفاوضات من زاوية سياسية بدرجة أكبر، بينما تعامل الجانب الإسرائيلي معها سياسيًا وقانونيًا في الوقت ذاته، ومن هنا يأتي تقييمه المباشر: "إذن كان هناك خطأ في صياغة هذه الاتفاقية، كانت غير منصفة تجاه الشعب الفلسطيني".
وهذا التوصيف يمثل قراءة ربعي للاتفاقيات، وليس حكمًا قضائيًا عليها. أما محكمة العدل الدولية، فقد تناولت أثر اتفاقيات أوسلو في رأيها الاستشاري، مؤكدة أن هذه الاتفاقيات لا تتيح لإسرائيل ضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة أو الإبقاء على وجود دائم فيها لأسباب أمنية.
تكمن خطورة "الضم التدريجي"، وفق هذا الطرح، في أنه لا يحتاج إلى لحظة واحدة. يكفي أن تتراكم الإجراءات بحيث يصبح كل إجراء جديد جزءًا من واقع يصعب التراجع عنه.
وهنا تبرز أهمية التخطيط، والإدارة، والسجلات، وحركة السكان، إلى جانب السيطرة العسكرية؛ فكلما انتقلت الصلاحيات من المجال العسكري إلى منظومات مدنية وإدارية، أصبح أثر السيطرة أعمق في تفاصيل الحياة اليومية.
وهذا يتقاطع مع رأي محكمة العدل الدولية التي اعتبرت أن سياسات وممارسات، بينها المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها وتطبيق القانون الإسرائيلي على أجزاء من الضفة، صُممت لتبقى إلى أجل غير محدد وتُحدث آثارًا غير قابلة للعكس على الأرض، وخلصت إلى أنها ترقى إلى ضم أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لكن بالنسبة إلى ربعي، لا ينتهي الخطر عند حدود الأرض؛ فالمسألة تصل إلى مستقبل الفلسطيني نفسه، وإلى المركز القانوني الذي سيحمله في ظل استمرار هذا الواقع.
في نهاية حديثه، يدفع ربعي النقاش نحو سؤال يتعلق بكيفية حماية الشخصية القانونية للفلسطيني، داعيًا السلطة الفلسطينية والمجتمع والنخب إلى التفكير في "حلول جديدة" وإعادة النظر في تعريف الشخصية القانونية الفلسطينية والبحث عن حلول جذرية.
وفي خلاصة مخاوفه، يضع العبارة الأكثر مباشرة: "هناك خطر على بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه".
ربما لا تكون لحظة الضم دائمًا قرارًا واحدًا يمكن تحديده بتاريخ ومكان، بل قد تتشكل عبر سنوات من الإجراءات التي تعيد ترتيب الأرض والسلطة والحقوق.
وفي هذه الحالة، لا تعود الأرض وحدها هي السؤال. فكلما امتدت السيطرة إلى الإدارة والسجلات والتخطيط وحركة السكان، أصبح الحديث عن الضم مرتبطًا أيضًا بمن يملك القرار في حياة الإنسان الموجود على هذه الأرض.
وبينما يضع القانون الدولي قواعد واضحة بشأن الاحتلال وحقوق السكان وحق الشعوب في تقرير المصير، تبقى المسافة بين النص والواقع هي الاختبار الأصعب.
وفي الضفة الغربية، قد لا يكون السؤال فقط: هل صدر إعلان بالضم؟ بل: هل يمكن أن يتشكل واقع الضم تدريجيًا إلى درجة يصبح معها الإعلان مجرد وصف لما حدث بالفعل؟
