2026-09-12 10:47
لم تقتصر تداعيات الحرب في قطاع غزة على الخسائر البشرية والدمار، بل امتدت إلى بنية الأسر نفسها، بعدما وجدت آلاف النساء أنفسهن أمام مسؤولية إعالة أسرهن ورعاية أطفالهن في ظل الفقد والنزوح وتراجع الخدمات الأساسية.
وبحسب بيانات حديثة للأمم المتحدة، ترأس النساء نحو أسرة واحدة من كل أربع أسر في قطاع غزة، بما يقدّر بنحو 86,290 أسرة، وهي نسبة تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، في انعكاس لحجم التغيرات التي طرأت على المجتمع خلال سنوات الحرب.
ورئاسة المرأة للأسرة في هذه الظروف لا تعني فقط تحمل مسؤوليات إضافية داخل المنزل، بل تعني في كثير من الحالات البحث عن الطعام والماء، ومتابعة صحة الأطفال، وتأمين احتياجاتهم التعليمية، ومحاولة تدبير شؤون الأسرة في واقع تفتقد فيه أبسط مقومات الاستقرار.
وتأتي هذه المسؤولية في حالات كثيرة بعد فقدان الزوج أو إصابته، أو نتيجة غيابه بسبب الاعتقال أو النزوح، لتجد المرأة نفسها أمام أعباء لم تكن تتحملها وحدها من قبل، في وقت تحتاج فيه الأسرة إلى مزيد من الرعاية والحماية.
وتقول الأمم المتحدة للمرأة إن لقاءاتها مع النساء في غزة كشفت حجمًا كبيرًا من الفقد والصدمة، إلى جانب التحولات التي فرضتها الحرب على أدوار النساء داخل الأسرة، حيث اضطرت كثيرات إلى إعادة ترتيب حياتهن بالكامل حول تأمين احتياجات أطفالهن والحفاظ على بقائهم.
ولا تنفصل هذه المسؤولية عن الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان القطاع، إذ يعيش معظمهم في مواقع نزوح مكتظة، وسط نقص في الخدمات الأساسية ومخاطر مرتبطة بالأمراض والفيضانات مع اقتراب موسم الأمطار.
كما تواجه الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي أضرارًا ونقصًا واسعًا، بينما تستمر الأمراض المعدية في الظهور داخل المرافق الصحية العاملة، ما يضيف عبئًا جديدًا على النساء اللواتي يتحملن مسؤولية متابعة صحة أفراد أسرهن وتأمين العلاج عند الحاجة.
أما الأطفال، فيقفون في قلب هذه المسؤولية، إذ لا تقتصر احتياجاتهم على الطعام والماء، بل تشمل أيضًا التعليم والرعاية والحماية النفسية، وهي متطلبات يصعب توفيرها في ظل النزوح المستمر وتضرر جزء كبير من البنية التعليمية والخدمات الأساسية.
وتكشف هذه الأرقام جانبًا آخر من آثار الحرب لا يظهر دائمًا في إحصاءات الضحايا والدمار، فالحرب لا تغيّر شكل المدن فحسب، وإنما تعيد توزيع الأدوار داخل الأسرة، وتدفع النساء إلى تحمل مسؤوليات أكبر في ظروف استثنائية.
وفي غزة، أصبحت المرأة في كثير من الأسر نقطة الارتكاز الأساسية، ليس لأنها اختارت هذا الدور، وإنما لأن الظروف دفعتها إليه، لتتحول تفاصيل الحياة اليومية من مسؤوليات اعتيادية إلى تحديات تتطلب منها البحث المستمر عن الطعام والماء والعلاج ومكان آمن لأطفالها.
وبينما تتواصل الجهود الإنسانية لتوفير المساعدات والخدمات الأساسية، تبقى آلاف النساء أمام مسؤولية لا يمكن تأجيلها، تتمثل في حماية أسرهن والحفاظ على أطفالهن، رغم ما يحيط بهن من فقد ونزوح وعدم استقرار.
وخلف رقم 86,290 أسرة تقودها امرأة، توجد آلاف القصص التي بدأت بالفقد أو الغياب أو الإصابة أو النزوح، وانتهت بامرأة وجدت نفسها مسؤولة عن أسرة كاملة، في وقت لا تزال فيه الحرب تثقل كل تفاصيل الحياة.
