ثقافة و فن

"أسماء في ذاكرة" محمود شقير

Case

2026-07-28 16:10

Copy Link

فراس حج محمد| فلسطين

في السياق الفلسطيني الراهن الذي يواجه فيه الشعب محاولات مستمرة للمحو الوجودي والثقافي، يبرز فعل التذكر أداة استراتيجية تتجاوز حدود الرثاء الشخصي لتصبح فعلاً نضاليًا بامتياز، ويأتي كتاب "أسماء في الذاكرة: من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام" للأديب محمود شقير، الصادر مؤخرا عن دار التنوير في رام الله ليجسد هذه الفلسفة؛ حيث يتحول تدوين سير الراحلين إلى صمام أمان لصون الهوية الوطنية. 

لا يستحضر شقير الموتى بوصفهم غائبين، بل إنهم شهود أحياء على عصر من الكفاح الضاري ضد الهيمنة والاحتلال، مستخدماً المعايشة الحية منهجًا لتوثيق التاريخ الذي تغفله السرديات التقليدية، هذا التوثيق يملأ الفراغات بجرعات من المعاناة الشخصية والحكايات الفردية التي تنصهر في أتون التجربة الوطنية، محولاً الحكاية الشخصية إلى وثيقة تبدأ ملامحها من العتبة الأولى للنص.

تشكل العناوين البوابة المعرفية الأولى التي ترسم أفق توقع القارئ وتمنحه مفاتيح الدخول إلى عالم النص، ويقع المؤلف في فخ التناص العنواني؛ فهو عنوان مستخدم سابقاً في البرامج والكتب التوثيقية، ككتاب عبد الصمد بنشريف، وبرنامج تلفزيوني مغربي، عدا أن بعض البرامج التلفزيونية تشتمل على فقرات بالاسم نفسه، تستحضر شخصيات معينة في شتى مناحي الحياة.

كل هذا يجعل العنوان للوهلة الأولى "غير مبتكر"، إلا أن اختيار شقير لهذا العنوان يهدف إلى الحلول في "الذاكرة المشاعة"؛ فالأسماء هنا ليست ملكية خاصة، بل هي رصيد جمعي، وكما أشار إياد قسيس في تعليقه على الكتاب واحتفائه بإهداء شقير له، فإن هناك كتباً تُنسى، وهناك أعمالاً ككتاب شقير تبقى لأنها تحفظ الذاكرة من التآكل، أما العنوان الفرعي "من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام"، فإنه يشير إلى القيم الإنسانية الأربعة التي آمن بها شقير ورفاقه ممن ناضلوا سياسياً وثقافياً ونقابياً من أجلها، وتقف هذه القيم مضادة لقيم الاحتلال والسيطرة والاستعباد والنهب الاستعماري الذي تمارسه قوى الشر الإمبريالية، وأما عبارة "كتاب السير"، فهي تشير إلى نوع من التجنيس، فتربط العمل بمشروع شقير الأوسع في تدوين السيرة، حيث يتقاطع الشخصي بالغيري، وتصبح سيرة الآخرين مرآة تعكس مسارات الكاتب نفسه، ويمثل هذا العمل تقاطعاً نقدياً بين السيرة الذاتية والغيرية؛ فكتابة شقير عن خمس وسبعين شخصية رحلت هي، في جوهرها، تدوين لسيرته الفكرية والنضالية، إن هؤلاء الراحلين لا يمثلون أسماءً عابرة، بل هم امتداد لذات الكاتب؛ مثل الدكتور سمير سلامة خليل، الذي كان أحد طلابه النجباء في المدرسة الهاشمية الثانوية بالبيرة عام 1965، قبل أن يتحول من القومية إلى الشيوعية ويصبح زميلاً في الرؤية، ومن خلال تتبع هذه المسارات، يعيد شقير كذلك إنتاج تاريخ القدس وفلسطين، محولاً الحكايات الفردية إلى وثيقة وفاء لجيل كاملٍ كابد وصبر، وجعل من تجاربه مدخلاً لصخب الحياة العامة والنضال ضد الإمبريالية والصهيونية وقوى الاستبداد العالمية.

يستعرض شقير تنوعاً ديموغرافياً ونضالياً فريداً، ويعكس ديناميكيات الهوية الفلسطينية عبر عقود، فثمة حديث في الكتاب عن البعد السياسي والنقابي، متمثلا في حديث الكاتب عن شخصيات محورية مثل فاروق السلفيتي، زميله في "المدرسة الرشيدية" ورفيق القيد في سجن "بيت ليد"، في حين يتجلى البعد النفسي في رصد التوتر بين الالتزام الحزبي والواجب الإنساني، حين امتنع شقير عن حضور عزاء "فهمي السلفيتي" (قائد الكادر اللينيني) انصياعاً لقرار الحزب، وهو موقف اعتذر عنه لاحقاً، كما يوثق التحولات الأيديولوجية لجيل كامل عبر سيرة إبراهيم السلحوت زوج أخته أمينة، الذي انتقل من حزب البعث إلى الحزب الشيوعي قبل اعتزاله السياسي.

وفيما يخص البعد الإبداعي والإعلامي يستحضر شقير القائد الشاعر توفيق زياد، "البدر الذي نفتقده في الليلة الظلماء"، والمخرج موفق الصلاح، وهنا يكشف الكاتب عن وجه سياسي للعملية الإبداعية، مشيراً إلى رفض شركات الإنتاج الخليجية إنتاج أعمال فلسطينية مثل مسلسل "بيوت في الريح" خلال الانتفاضة، في خطوة قرأها شقير تمهيداً مبكراً للتطبيع.

وفي البعد الإنساني والعائلي يبلغ الصدق العاطفي ذروته في سيرة شقيقته "آمنة"؛ حيث يربط القارئ- مثلما فعل علي عطية شقيرات- بين رحيلها المأساوي بسبب نقص الرعاية الطبية وبين مأساة "عائشة أبو الزيت" عام 1951، مما يحول الفقد الشخصي إلى استعادة جماعية لآلام النكبة واللجوء، وتحتل قصة "آمنة" موقعاً لافتاً في سرود محمود شقير السيرية، فقد ذكرها في كتب متعددة، ما يجعل هذا الأمر محل دراسة خاصة، لملاحظة كيف تحدث عنها المؤلف في كل مرة.

إن الاعتذار الذي أعلنه شقير على صفحته في الفيسبوك بعد صدور الكتاب عن الأسماء التي تفلتت منه يعكس وعيه باكتناز الذاكرة الشخصية بأسماء أخرى وازنة، مؤكداً أن الذاكرة الوطنية بئر لا تنضب وتتجاوز قدرة الفرد الواحد على الإحاطة بها.

يتميز أسلوب محمود شقير بجماليات التقشف المعروفة في كتاباته، حيث البناء اللغوي مكثف ومركز؛ إذ يبتعد عن الحشو والإغراق في التفاصيل أو المجاز، وهو ما وصفه علي عطية شقيرات بالسهل الممتنع، وتنجح هذه اللغة في منح الراحلين حياة جديدة دون إطناب، مستندة إلى قاعدة أن كثرة الأسماء تفرض تكثيفاً في العبارة، إن قدرة شقير على إثارة التأثر العميق والبكاء الصامت الذي انتاب قراءه في سيرة آمنة، كما في قراءة علي شقيرات، تنبع من براعته في رسم ملامح الإنسان قبل الحدث، ومن لغته الرصينة التي لا تكتفي برواية الحكاية، بل تحفظ الأرواح من الغياب.

يتخطى كتاب "أسماء في الذاكرة" كونه سرداً أدبياً؛ إلى اعتباره مرجعاً إنسانياً وثقافياً وسياسياَ واجتماعياً يكرس حقيقة أن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها هي الأقدر على حماية مستقبلها، ولقد أثبت محمود شقير، من خلال هذا المشروع الثقافي المهم، أن الأدب الحقيقي هو الذي يضطلع بالمسؤولية الوطنية لصون الهوية من الزيف والإلغاء، ويواجه عوامل الفناء والإبادة والمحو الثقافي، وسيظل هذا الكتاب علامة وفاء لجيل صنع تاريخ فلسطين بدمه وحبره، محولاً الموت عبر فعل الكتابة من نهاية مطلقة إلى جسر للعبور نحو المستقبل، ومؤكداً أن الذاكرة هي الحصن الأخير الذي لا يقبل السقوط، فكما كانت هذه الأسماء حاضرة في الذاكرة على هذا النحو، فإنها خالدة في سجل التاريخ أيضاً.

أقرأ ايضا