
2026-07-28 10:14
رام الله – خاص 4D Pal
(الحلقــة الثانيــة)
بعد أن بدأ نسيم مطير خطواته الأولى في عالم الصورة، لم يكن الطريق أمامه واضح المعالم. لم يكن هناك مسار مضمون أو وصفة جاهزة للانتقال من التجربة الأولى إلى البطولة، بل كان عليه أن يخوض سلسلة طويلة من المحاولات، وأن يثبت في كل مرة أن حضوره أمام الكاميرا ليس مجرد صدفة.
بالنسبة إليه، لم تكن الرحلة بحثًا عن الشهرة السريعة، بل بحثًا عن المكان الذي يستطيع فيه أن يقدم نفسه فنيًا، وأن يثبت أن الإنسان القادم من بيئة فلسطينية صعبة قادر على المنافسة في مساحة عربية أوسع.
"لم أصل بالصدفة... كل تجربة كانت خطوة"
حين يتحدث نسيم مطير عن بداياته الفنية، يرفض اختزالها في لحظة واحدة. فبعد تجربة الأزياء، بدأ يقترب أكثر من عالم التمثيل، وخاض تجارب مختلفة فتحت أمامه أبوابًا جديدة.
وفي هذا الشأن يقول: "أنا أؤمن أن كل تجربة تترك أثرًا في الإنسان. حتى التجارب الصغيرة كانت تضيف لي شيئًا، سواء على مستوى الأداء أو على مستوى معرفة الناس وطبيعة العمل".
ومن بين هذه التجارب كانت مشاركته في أعمال عربية وتركية، وهي تجارب يعتبرها محطة مهمة في تكوينه الفني. "العمل مع جهات مختلفة، ومع أشخاص من جنسيات وثقافات متعددة، يوسع مدارك الفنان. أنت لا تتعلم فقط من الدور، بل تتعلم من طريقة تفكير الآخرين، ومن أساليب العمل المختلفة".
ويؤكد أن أهم ما خرج به من هذه المرحلة لم يكن مجرد رصيد من الأعمال، بل شبكة من العلاقات والخبرات التي ساعدته لاحقًا في الوصول إلى فرص أكبر.
وعن ذلك يقول: "الفن في النهاية يعتمد على العلاقات الإنسانية بقدر اعتماده على الموهبة. عندما تعمل مع أشخاص مختلفين، تفتح أمامك أبواب لم تكن تتوقعها".
من الشاشة الصغيرة إلى مسؤولية البطولة
لم تكن لحظة حصوله على بطولة فيلم "التراث الضائع" مجرد فرصة فنية جديدة، بل كانت بالنسبة إليه اختبارًا حقيقيًا لكل ما تعلمه خلال السنوات السابقة.
وعن ذلك يقول: "الانتقال من دور إلى دور بطولة يعني الكثير. ليس لأنه مجرد لقب، بل لأنه دليل على أن اجتهادك ومحاولاتك لم تذهب سدى".
لكن البطولة، كما يوضح، تحمل جانبًا آخر أكثر صعوبة؛ "عندما تصبح في موقع البطولة، أنت لا تحمل مسؤولية نفسك فقط. أنت تحمل مسؤولية عمل كامل، ومسؤولية ثقة فريق اختارك".
ولذلك لم يتعامل مع التجربة باعتبارها انتصارًا شخصيًا فقط، بل باعتبارها أمانة. "كنت مدركًا أن هناك أشخاصًا آمنوا بي، من شركة الإنتاج إلى المخرجة وباقي فريق العمل، وهذا جعلني أكثر حرصًا على أن أقدم أفضل ما لدي".
ويضيف: "الفنان لا يهمه فقط أن يعمل، بل يهمه مع من يعمل. عندما تجد نفسك أمام أسماء مهمة، تشعر بحجم المسؤولية".
"التراث الضائع"... حين تصبح الحكاية أكبر من الدور
يمثل فيلم "التراث الضائع" محطة مركزية في مسيرة نسيم مطير، إذ إن هذا العمل لم يكن أمامه تحدي تقديم شخصية درامية فقط، بل كان أمام مسؤولية حمل قصة ترتبط بالهوية والتراث والذاكرة.
وعن اختياره للدور يقول: "أعتقد أن الاختيار جاء من قناعة المخرجة وشركة الإنتاج. كان هناك عدد من الأسماء المطروحة، لكن في النهاية وقع الاختيار عليّ، والحمد لله أنني كنت عند حسن الظن".
ما جذبه في الشخصية، كما يوضح، أنها لم تكن بعيدة عنه من ناحية القيم الداخلية؛ "شعرت أن هناك أشياء كثيرة تشبهني في الشخصية. هناك جانب يتعلق بالإصرار، وبالسعي، وبالرغبة في استعادة شيء له قيمة".
الفيلم، بالنسبة إليه، لا يتوقف عند حدود القصة السينمائية، بل يحمل فكرة أوسع حول العلاقة بين الإنسان وتراثه. وفي ذلك يؤكد: "العمل يتحدث عن استعادة الحق، وعن أهمية الحفاظ على الهوية والتراث. هناك أشياء إذا فقدتها الشعوب تفقد جزءًا من ذاكرتها".
ويشدد على أن الرسالة الأساسية ليست سياسية بالمعنى المباشر. "الفيلم لا يحمل طابعًا سياسيًا مباشرًا، لكنه يتحدث عن قضية إنسانية عامة؛ وهي أن التراث والهوية لا يجب أن يضيعوا".
"الإصرار على الهوية الفلسطينية داخل الفيلم"
من أكثر النقاط التي يعتز بها الفنان الفلسطيني الصاعد نسيم مطير في تجربته مع الفيلم، حفاظه على هويته الفلسطينية داخل الشخصية.
يكشف أن الشخصية كانت مكتوبة في البداية بصورة مختلفة، لكنه أصر على أن تبقى فلسطينية من حيث الشكل واللهجة والمضمون.
يقول: "كان من الممكن أن تقدم الشخصية بشكل آخر، لكنني شعرت أن وجود الهوية الفلسطينية مهم. أنا لا أريد أن أترك هويتي خارج الكاميرا".
بالنسبة إليه، الهوية ليست عنصرًا إضافيًا يمكن استخدامه عند الحاجة، بل جزء أساسي من تكوين الفنان. "أنا أحمل فلسطين معي أينما ذهبت. هذا ليس شعارًا، بل جزء من حياتي وتجربتي".
لكن في الوقت نفسه، يرفض أن تكون الهوية سببًا في حصر الفنان داخل إطار واحد، فالفلسطيني بحسب مطير "قادر على تقديم كل الشخصيات. لا يجب أن نختصر الفنان الفلسطيني دائمًا في صورة واحدة".
تحضير طويل لشخصية صعبة
لم يعتمد نسيم مطير على الحضور الطبيعي فقط في بناء الشخصية، فقد أدرك أن البطولة تحتاج إلى استعداد مختلف، خصوصًا أن الفيلم يعتمد بدرجة كبيرة على الحركة والطاقة الجسدية، قائلا: "استعددت كثيرًا للدور. كان هناك تحضير بالقراءة، وتحضير نفسي، وتحضير جسدي وحركي".
ويضيف: "الفيلم احتاج إلى طاقة بدنية كبيرة، لذلك كان التدريب جزءًا أساسيًا من التحضير".
لم تكن الفترة سهلة، فقد كان عليه أن يوازن بين الجانب النفسي للشخصية وبين المتطلبات الجسدية للمشاهد. "كنت أبدأ يومي مبكرًا جدًا، وألتزم بالتدريب والانضباط، لأنك عندما تكون في بطولة لا تستطيع أن تعتمد فقط على الموهبة".
بالنسبة إليه، الموهبة هي البداية فقط، أما الاحتراف فيحتاج إلى عمل مستمر.
المشهد الذي أعاد إليه ذاكرة شخصية
ومن بين مشاهد الفيلم، هناك مشهد بقي حاضرًا في ذاكرته أكثر من غيره. إنه مشهد المستشفى، الذي لم يكن صعبًا بسبب متطلباته الفنية فقط، بل لأنه لامس تجربة شخصية عاشها سابقًا.
وفي ذلك الجانب يقول: "هذا المشهد استنزفني عاطفيًا بشكل كبير، لأنه كان قريبًا من موقف حقيقي حصل معي في الحياة"، ففي العام 2015، عاش تجربة مرتبطة بالمستشفى وبفقدان شخص عزيز، وعندما جاء وقت تصوير المشهد، عادت تلك الذكريات بكل تفاصيلها.
"استرجعت الذكرى التي عشتها، ولذلك خرجت المشاعر بشكل طبيعي. لم أكن أحتاج إلى افتعال الحزن، لأن الإحساس كان موجودًا".
ويكشف أن العودة إلى الحالة الطبيعية بعد تصوير المشهد لم تكن سهلة، "فبعد انتهاء التصوير احتجت وقتًا حتى أخرج من الحالة النفسية للشخصية. أحيانًا أنت لا تنهي المشهد فقط، بل تحمل أثره معك".
البطولة غيّرت نظرته إلى نفسه
بعد انتهاء تجربة فيلم "التراث الضائع"، يشعر نسيم مطير أنه لم يخرج منها بالشخص نفسه الذي دخل بها، مؤكدا "خرجت من التجربة إنسانًا مختلفًا من ناحية التفكير والاختيارات". فالفيلم كما يوضح، جعله أكثر انتقائية في قراراته الفنية، وأكثر وعيًا بما يريد أن يقدمه، مبينا: "اليوم أصبحت أفكر أكثر في قيمة الدور، وفي ماذا يضيف لي، وليس فقط في الظهور".
كما اكتشف خلال التجربة جانبًا جديدًا من قدراته، قائلا: "اكتشفت قوة الحضور. أحيانًا لا يتعلق الأمر بالأداء فقط، بل بقدرة الإنسان على أن يكون حاضرًا أمام الكاميرا".
ويضيف: "وجدت أنني أتعامل مع الكاميرا وكأنها غير موجودة، وكأنني أعيش الشخصية بشكل طبيعي".
بين الخوف من المسؤولية والثقة بالنفس
رغم كل ما حققه، يعترف نسيم مطير بأن لحظة البطولة لم تكن خالية من الخوف، بل على العكس، كان هناك شعور دائم بالمسؤولية. موضحا ذلك بالقول: "عندما تكون أنت البطل، يصبح هناك ضغط مختلف. تسأل نفسك: هل أنا قادر على حمل هذه المسؤولية؟ هل سأكون عند توقعات الناس؟".
لكن هذا الخوف لم يتحول إلى تردد، بل إلى دافع. "كنت أريد أن أثبت لنفسي قبل الآخرين أنني قادر".
وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية في شخصيته؛ فهو لا ينظر إلى النجاح باعتباره محطة للراحة، بل باعتباره بداية لاختبار جديد.