
2026-06-07 06:45
رام الله – خاص 4D Pal
في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، تمتلك إيران سلاحًا آخر أقل شهرة لكنه لا يقل خطورة، وهو ما يعرف باسم "أسطول البعوض"؛ آلاف الزوارق القتالية السريعة التي تحولت إلى أحد أهم أدوات طهران في فرض السيطرة على مضيق هرمز وتهديد حركة الملاحة الدولية.
وقد نجحت إيران خلال السنوات الأخيرة في بناء منظومة متكاملة تهدف إلى إغلاق أبواب مضيق هرمز ومنع تصدير النفط من دول الخليج العربي عند الحاجة. وتعتمد هذه المنظومة على ثلاثة عناصر رئيسية: الصواريخ الساحلية التي تُطلق من الشواطئ الإيرانية، والألغام البحرية الخطيرة التي يمكنها تعطيل الملاحة، إضافة إلى العنصر الثالث والأكثر إثارة للقلق، وهو أكثر من ثلاثة آلاف زورق سريع وفتّاك أُطلق عليها لقب "أسطول البعوض".
ويتميز هذا الأسطول بخصائص فريدة جعلته مصدر صداع دائم للقوات البحرية الغربية. فهذه الزوارق الصغيرة والسريعة قادرة على المناورة بشكل كبير، ما يجعلها أهدافًا شديدة المراوغة بالنسبة للطائرات المقاتلة والمروحيات الهجومية والطائرات المسيّرة على حد سواء. كما أن تكتيكات الحرس الثوري الإيراني في تشغيل هذه الزوارق ضمن أسراب كبيرة ومتفرقة تمنحها قدرة إضافية على إرباك الخصم وتشتيت قدراته النارية.
وتعود جذور هذا الأسطول إلى سنوات الحرب العراقية – الإيرانية. ففي عام 1983 اشترت إيران عبر وسطاء خمسين زورق دورية سريعًا من شركة "بوغهامر" السويدية، قبل أن تزودها برشاشات ثقيلة وقواذف صواريخ من عيار 107 ملم، بينما حملت أطقمها قاذفات RPG. وسرعان ما تحولت هذه الزوارق إلى كابوس يلاحق السفن التجارية وناقلات النفط في الخليج.
وخلال ما عُرف بـ"حرب الناقلات"، نفذت الزوارق الإيرانية عشرات الهجمات ضد السفن التجارية. والمفارقة أن النتائج العسكرية المباشرة لم تكن كبيرة كما قد يتوقع البعض؛ فعند التدقيق في تلك العمليات يتبين أن ثلاث سفن فقط تعرضت لأضرار جسيمة، فيما غرقت سفينتان لا غير.
لكن هذا كان كافيًا بالنسبة لطهران. فالهدف الحقيقي لم يكن إغراق أكبر عدد ممكن من السفن، بل خلق حالة من الرعب وعدم اليقين لدى شركات الشحن البحري العالمية. وقد نجحت هذه الاستراتيجية إلى حد بعيد، إذ دفعت العديد من الشركات إلى إعادة حساباتها بشأن الإبحار في المنطقة، ما أدى إلى عرقلة وصول البضائع إلى العراق آنذاك والتأثير على صادراته النفطية.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على ولادة "أسطول البعوض"، أصبحت هذه الزوارق أكثر تطورًا وتسليحًا وأكبر عددًا. فإيران لم تكتفِ بالشراء من الخارج، بل عملت على تفكيك النماذج الأجنبية وهندستها عكسيًا وإنتاج نسخ محلية مطورة، بعضها مزود بصواريخ يصل مداها إلى عشرات الكيلومترات.
وفي حال اندلاع مواجهة واسعة في الخليج، فإن هذه الزوارق قد تتحول إلى أحد أخطر أدوات إيران لتهديد الملاحة الدولية وإرباك أسواق الطاقة العالمية. فكما أثبتت التجارب السابقة، لا يحتاج "أسطول البعوض" إلى إغراق عشرات السفن لتحقيق أهدافه؛ يكفيه أن يزرع الخوف في طرق التجارة البحرية حتى تبدأ تداعياته الاقتصادية بالظهور في مختلف انحاء العالم .