أخبار

شرق رام الله.. حياة معلّقة بين الحواجز واقتحامات الليل وعنف المستوطنين

Case

2026-06-01 09:12

Copy Link

رام الله – 4D Pal – رنيم علوي

حين يقترب المساء في قرى شرق رام الله، لا يفكر السكان فقط في يوم عمل جديد أو موسم زراعي قادم، بل في احتمال اقتحام عسكري مفاجئ، أو إغلاق طريق رئيس، أو هجوم جديد من المستوطنين على الأراضي والمنازل. ففي بلدات وقرى مثل ديردبوان، بيتين، رمون، ديرجرير، الطيبة، كفرمالك، أبو فلاح، المغير وسلواد، تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة من التحديات التي تتجاوز الأوضاع الاقتصادية والخدماتية، لتصل إلى تفاصيل الحركة والأمان والاستقرار النفسي.

ورغم أن المنطقة الشرقية من محافظة رام الله والبيرة تُعد من أكثر المناطق ارتباطاً بالأرض والزراعة، إلا أنها تعيش منذ سنوات تحت ضغط متواصل بفعل التوسع الاستيطاني والحواجز العسكرية والبوابات الحديدية والاقتحامات المتكررة، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، وبين هذه العوامل المتشابكة، يجد السكان أنفسهم أمام واقع يفرض تحدياته على مختلف تفاصيل حياتهم اليومية.

وتبدأ هذه التحديات منذ الساعات الأولى من الصباح، إذ لم تعد حرية الحركة أمراً بديهياً بالنسبة لآلاف المواطنين الذين يعتمدون على الطرق الرابطة بين القرى ومدينة رام الله للوصول إلى أماكن عملهم أو جامعاتهم أو المراكز الصحية والخدماتية؛ فالحواجز العسكرية المنتشرة على مداخل القرى والطرق الرئيسية أصبحت جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، حتى بات السؤال الأول الذي يتداوله السكان مع بداية كل يوم: "هل الطريق مفتوحة اليوم؟".

يقول أحد سكان المنطقة الشرقية، وهو موظف من بلدة دير دبوان يعمل في مدينة رام الله : "أحياناً نخرج قبل موعد الدوام بساعة أو ساعتين لأننا لا نعرف ماذا سيحدث على الطريق، قد تصل خلال نصف ساعة، وقد تبقى عالقاً لساعات"، ويشير إلى أن الإغلاقات المفاجئة لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءاً من الروتين اليومي الذي يفرض نفسه على حياة الناس.

ولا يقتصر تأثير هذه القيود على حركة الأفراد فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد المحلي أيضاً، فالمزارعون والتجار يواجهون صعوبات متكررة في نقل منتجاتهم، كما تتأثر حركة البضائع والمواد الأساسية بفعل الإغلاقات وتشديد الإجراءات على الطرق الرئيسية، وبالنسبة لكثير من العائلات، فإن أي إغلاق جديد يعني ساعات إضافية من الانتظار وخسائر مادية متراكمة.

غير أن معاناة السكان لا تتوقف عند حدود الحركة والتنقل، فخلف الطرق المغلقة والحواجز العسكرية يبرز تحدٍ آخر أكثر ارتباطاً بالأرض التي تشكل مصدر رزق أساسي لآلاف العائلات في المنطقة، إذ تحيط بالمنطقة الشرقية مجموعة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي شهدت توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة لدى السكان من فقدان المزيد من الأراضي الزراعية التي ورثتها العائلات جيلاً بعد جيل.

ويؤكد أهالي المنطقة أن التهديد لا يقتصر على التوسع الاستيطاني بوصفه مشروعاً عمرانياً، بل يمتد إلى الاعتداءات اليومية التي تستهدف المواطنين وممتلكاتهم، ففي العديد من القرى، أصبحت الأراضي الزراعية القريبة من المستوطنات مناطق توتر دائمة، يخشى أصحابها الوصول إليها أو العمل فيها دون مخاوف من التعرض للاعتداء.

ويظهر أثر هذا الواقع بشكل أكثر وضوحاً خلال موسم الزيتون، الذي لطالما شكّل مناسبة اجتماعية ووطنية تجمع العائلات الفلسطينية في الحقول، إلا أن هذا الموسم بات بالنسبة لكثير من سكان شرق رام الله موسماً يرافقه القلق بقدر ما يرافقه الأمل بالمحصول.

فالعديد من المزارعين يتحدثون عن صعوبة الوصول إلى أراضيهم القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، خاصة خلال مواسم القطاف، وتشير تقارير حقوقية إلى تسجيل مئات الاعتداءات التي استهدفت المزارعين خلال السنوات الأخيرة، شملت حرق أراضٍ زراعية واقتلاع أشجار زيتون ومنع أصحاب الأراضي من الوصول إليها.

ويقول أحد المزراعين من قرية بيتين: " في الماضي كنا ننتظر موسم الزيتون بفرح، اليوم أصبحنا نفكر أولاً إذا كنا سنتمكن من الوصول إلى الأرض، وإذا كنا سنعود منها بسلام"، ويضيف أن الخوف لم يعد مرتبطاً بخسارة المحصول فقط، بل بسلامة المزارعين أنفسهم.

وقد تجسد هذا الواقع بصورة أكثر قسوة في عدد من قرى المنطقة خلال العامين الماضيين، ففي بلدة المغير شمال شرق رام الله، شهد السكان هجمات واسعة نفذها مستوطنون استهدفت منازل ومركبات وأراضي زراعية، وأسفرت عن وقوع ضحايا وإصابات وأضرار مادية كبيرة، ومنذ ذلك الحين، تحولت البلدة إلى واحدة من أكثر المناطق تعرضاً للاعتداءات، في ظل تكرار الهجمات على المزارعين والطرق الزراعية ومحيط القرية.

وإذا كانت ساعات النهار تحمل للمزارعين هواجس الاعتداءات ومخاطر الوصول إلى الأراضي، فإن الليل بدوره لا يمنح سكان المنطقة شعوراً أكبر بالأمان، فلا تكاد تخلو قرية من قرى شرق رام الله من الاقتحامات العسكرية المتكررة التي غالباً ما تتم خلال ساعات الليل أو قبيل الفجر.

ويصف السكان هذه الاقتحامات بأنها جزء من حياتهم اليومية، حيث تستيقظ العائلات على أصوات الآليات العسكرية، وتتحول الأزقة السكنية إلى ساحات تفتيش ومداهمة، فيما تتواصل حملات الاعتقال التي تطال شباناً من مختلف الأعمار.

وتشير تقديرات مؤسسات فلسطينية إلى تصاعد حملات الاعتقال في الضفة الغربية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث جرى اعتقال آلاف الفلسطينيين في مختلف المحافظات، بما فيها محافظة رام الله والبيرة.

حيث إن أكثر ما يرهق العائلات ليس الاقتحام بحد ذاته، بل حالة الترقب الدائمة التي تسبقه وتعقبه، "الأطفال يستيقظون أحياناً على أصوات الجنود وهم يقتحمون الحي، حتى بعد انتهاء الاقتحام يبقى الخوف موجوداً لأيام".

ولا تتوقف آثار هذه الاقتحامات عند حدود الاعتقال أو التفتيش، بل تترك انعكاسات نفسية واجتماعية عميقة على العائلات، وخاصة الأطفال الذين ينشؤون في بيئة تعيش حالة مستمرة من التوتر وعدم اليقين.

وتتقاطع هذه الضغوط مع قيود أخرى تزيد من عزلة القرى وتؤثر على تفاصيل الحياة اليومية للسكان، فَـ إلى جانب الحواجز العسكرية، تواجه قرى شرق رام الله مشكلة متكررة تتمثل في إغلاق المداخل الرئيسية بواسطة البوابات الحديدية التي تُغلق بشكل مفاجئ وفي أوقات مختلفة.

ويقول السكان إن هذه الإغلاقات تجبرهم على استخدام طرق بديلة أطول وأكثر صعوبة، كما تؤثر على وصول المرضى إلى المراكز الصحية وعلى حركة الطلبة والموظفين، وفي بعض الحالات، تتحول رحلة قصيرة بين قريتين متجاورتين إلى مسار طويل يستهلك وقتاً وجهداً إضافيين.

وفي الوقت الذي يواجه فيه السكان قيوداً متزايدة على الحركة، تتصاعد في المقابل اعتداءات المستوطنين لتضيف بعداً آخر من الضغوط التي تعيشها المنطقة، فوفق بيانات وتقارير حقوقية ودولية، شهدت الضفة الغربية خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق في عدد اعتداءات المستوطنين، وكانت محافظة رام الله والبيرة من أكثر المحافظات تأثراً بهذه الهجمات.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل تعكس واقعاً يومياً يعيشه سكان القرى الواقعة على تماس مباشر مع المستوطنات، فكل اعتداء جديد يترك أثراً يتجاوز الأضرار المادية ليطال شعور السكان بالأمان والاستقرار.

ولا تقتصر آثار هذه الاعتداءات على قرية أو بلدة بعينها، بل تمتد إلى مختلف التجمعات السكانية في شرق رام الله، بما فيها بلدة الطيبة، التي تُعرف بكونها آخر بلدة فلسطينية ذات أغلبية مسيحية كاملة في الضفة الغربية.

وفي الطيبة، كما في غيرها من قرى المنطقة، يتحدث السكان عن تصاعد المخاوف المرتبطة باعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الحركة، وقد شهدت البلدة خلال السنوات الأخيرة حوادث استهدفت أراضي وممتلكات في محيطها، ما أثار مخاوف السكان من استمرار هذه الاعتداءات واتساع نطاقها.

ويقول أحد سكان البلدة إن الخوف لم يعد مرتبطاً بحادثة بعينها، بل بالشعور الدائم بأن التهديد قد يظهر في أي لحظة، سواء أثناء العمل في الأرض أو أثناء التنقل بين القرى.

ورغم اختلاف طبيعة التحديات بين قرية وأخرى، إلا أن القاسم المشترك بين سكان المنطقة يبقى محاولتهم المستمرة الحفاظ على تفاصيل الحياة الطبيعية في ظل واقع يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

فالمدارس تفتح أبوابها كل صباح، والمزارعون يتوجهون إلى أراضيهم متى استطاعوا، والعائلات تحافظ على مناسباتها الاجتماعية وأفراحها رغم الظروف الصعبة، وفي موسم الزيتون، ما زالت العائلات تجتمع حول الأشجار كما فعلت لعقود طويلة، في محاولة للتمسك بما تبقى من طقوس الحياة الطبيعية.

ويقول شاب من بلدة المغير: "نحن لا نبحث عن حياة استثنائية، نريد فقط أن نعيش بشكل طبيعي، أن نذهب إلى أعمالنا ومدارسنا وأراضينا دون خوف".

ورغم هذه الظروف، ما تزال قرى شرق رام الله تحتفظ بحضورها الإنساني والاجتماعي، حيث يواصل السكان التمسك بأرضهم ومواسمهم الزراعية وحياتهم اليومية، وبينما تتحدث الأرقام عن اعتداءات واقتحامات وإغلاقات متكررة، تتحدث قصص الناس عن محاولات مستمرة للحفاظ على الاستقرار والصمود، فهنا لا تُقاس الخسائر بعدد الأشجار التي أُحرقت أو الطرق التي أُغلقت فحسب، بل أيضاً بحجم الجهد الذي يبذله السكان للحفاظ على وجودهم في أرض أصبحت تفاصيل الحياة فيها مرتبطة بشكل مباشر بالمتغيرات الأمنية والسياسية.

وفي ظل استمرار التوتر في الضفة الغربية، تبقى المنطقة الشرقية من محافظة رام الله والبيرة نموذجاً مكثفاً للواقع الفلسطيني؛ منطقة تجمع بين التمسك بالأرض والإصرار على البقاء من جهة، وبين التحديات المتزايدة التي تفرضها سياسات الاحتلال والاستيطان من جهة أخرى.

 وبين هذين المشهدين، يواصل آلاف المواطنين في ديردبوان وبيتين ورمون وديرجرير والطيبة وكفرمالك وأبو فلاح والمغير وسلواد كتابة تفاصيل حياتهم اليومية، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من حياة طبيعية وسط واقع استثنائي لا يزال يلقي بظلاله على كل شيء.

 

أقرأ ايضا