ثقافة و فن

وفاة الموسيقار عبد الوهاب الدكالي .. "مرسول الحب" وداعاً

Case

2026-05-08 15:43

Copy Link

4D pal

عن عمر ناهز 85، رحل عنا، اليوم الجمعة، الموسيقار العربي المغربي عبد الوهاب الدكالي؛ وبهذا الرحيل تفقد الأغنية المغربية واحدا من أعمدتها الكبرى، وهو الذي ظل يحمل المغرب إلى خرائط الطرب الرفيع في كل مكان.

رحل الدكالي وقد عبر باقتدار كبير أكثر من نصف قرن من الغناء والتلحين والتأليف الموسيقي، حاملا مشروعا فنيا شديد الخصوصية، قائما على مزج الحس الشعبي المغربي بالبناء اللحني العربي الكلاسيكي، وعلى منح الأغنية "روح تمغرابيت" دون أن تنفصل الجذور عن الإبداع الجديد والمتجدد.

ولد عبد الوهاب الدكالي سنة 1941 بمدينة فاس، المدينة التي تختزن طبقات من الموسيقى الأندلسية والروح الصوفية والإيقاعات الشعبية، فخرج منها مأخوذا بالألوان والأصوات والصور، متعلقا بالرسم والمسرح والموسيقى في آن واحد. وهو ما يترجمه المتحف الفني الذي أقامه ببيته بمدينة الدار البيضاء.

في سنوات التكوين الأولى، أخذت شخصية الفنان تتشكل داخل مناخ ثقافي شديد الغنى، حيث كان الفن جزءا من الحياة اليومية، وكانت الذاكرة المغربية تحتفظ بإيقاعات الملحون والطرب الأندلسي والأغنية الشعبية، فامتص الدكالي ذلك كله، وصاغ منه لاحقا عالما موسيقيا خاصا به.

انتقل إلى الدار البيضاء في نهاية خمسينيات القرن الماضي، فوجد نفسه داخل مدينة تضج بالحركة والتحولات الاجتماعية والثقافية، وهناك اقترب من الوسط الفني، والتقى أسماء وازنة في المسرح والأدب والغناء، وكان للكاتب الطيب العلج أثر واضح في صقل تجربته الأولى. ومنذئذ، بدأ يكتشف قوة الكلمة المغربية حين تعانق اللحن، وبدأ يدرك أن الأغنية بناء جمالي كامل، تتجاور داخله الموسيقى والشعر والصوت والصورة الإنسانية.

سجل أولى أغانيه سنة 1959، ومنذ البدايات بدا مختلفا عن السائد، بصوته المائل إلى العمق والتأمل، وبأسلوبه الذي يبتعد عن الزخرفة المجانية، متجها نحو العاطفة المصفاة واللحن المركب. ذلك أنه كان يحمل حساسية فنية جعلته يكتب ويلحن ويغني بروح الفنان الشامل، فصار واحدا من القلائل الذين صنعوا أعمالهم من الداخل، كأن الأغنية تخرج كاملة من وجدانه. ومع توالي السنوات، تحول اسمه إلى مرجع أساسي في تاريخ الأغنية المغربية الحديثة.

في أعماله، حضرت اللغة المغربية بثرائها الإيحائي، وحضرت العربية الفصحى بصفائها الموسيقي، فبدا قادرا على التحرك داخل أكثر من فضاء تعبيري دون افتعال. أغنيات مثل "مرسول الحب" و"ما أنا إلا بشر" و"كان يا مكان" و"سوق البشرية" و"الثلث الخالي" و"كتعجبني" و"لا تتركيني" و"بي ولا بيك" و"رجانا في الله" و"حبيبي يا وطني" و"مولد القمر" تحولت إلى جزء من الوجدان المغربي والعربي، لما حملته من قدرة على ملامسة الإنسان في ضعفه وشوقه وحنينه وتأمله للوجود.

كان الدكالي موسيقيا واسع الثقافة، شديد العناية بالبناء اللحني، يشتغل على الأغنية باعتبارها عملا فنيا متكاملا، ولذلك جاءت ألحانه محملة بكثافة شعورية عالية، تستثمر المقامات العربية والإيقاعات المغربية والأنفاس المتوسطية في الآن ذاته. داخل تجربته، أمكن للأغنية المغربية أن تخرج من الإطار المحلي الضيق نحو أفق عربي أرحب، فغنى له فنانون عرب كبار، ووصل صوته إلى مسارح ومهرجانات عربية ودولية عديدة، وأصبح اسمه مقترنا بصورة الفنان المغربي القادر على تمثيل بلده فنيا بثقة واقتدار.

امتلك أيضا حضورا إنسانيا خاصا، قائما على الوقار والهدوء والعزلة النسبية عن صخب الحياة الفنية، فبدا أشبه بفنان ينتمي إلى زمن آخر، زمن كانت فيه الأغنية تعبيرا عن تجربة وجودية كاملة، وكان الفنان يحمل مشروعه الجمالي بقدر كبير من الصرامة والاحترام. لذلك حافظ على مكانته الاستثنائية داخل الذاكرة المغربية، وظلت أعماله قادرة على عبور الأجيال دون أن تفقد بريقها.

في مسيرته الطويلة، حاز عددا من الجوائز والتكريمات العربية والدولية، فنال الأسطوانة الذهبية عن أغنية “ما أنا إلا بشر”، وفاز بالجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية المغربية بالمحمدية عن “كان يا مكان”، والجائزة الكبرى بمهرجان مراكش عن “أغار عليك”، كما توج في مهرجان القاهرة بأغنية “سوق البشرية”، واختير شخصية العام عربيا في استفتاء ثقافي واسع خلال بداية التسعينيات، إضافة إلى تكريمات عديدة احتفت بإسهامه في تطوير الأغنية المغربية والعربية.

اشتغل أيضا في المسرح والسينما، وشارك في أعمال فنية تلفزيونية، وظل يحمل حس الفنان المتعدد الذي يرى الموسيقى امتدادا للصورة والحركة والكلمة. ومع تقدمه في العمر، أخذ حضوره العلني يقل، غير أن اسمه بقي حاضرا بقوة في وجدان المغاربة، وعادت أغانيه في كل مناسبة لتؤكد أن الأعمال الصادقة تملك قدرة نادرة على مقاومة الزمن.

برحيله، تخسر الموسيقى المغربية صوتا صنع جزءا كبيرا من هويتها الحديثة، ويخسر المغرب واحدا من الفنانين الذين منحوا الأغنية المحلية بعدا حضاريا وإنسانيا وجماليا عميقا.

رحل عبد الوهاب الدكالي تاركا خلفه أرشيفا موسيقيا هائلا، يشبه سيرة بلد كامل وهو يعبر تحولات الحب والحنين والأسئلة الكبرى، وتاركا أيضا صورة الفنان الذي عاش للموسيقى كما

وخلف نبأ الوفاة صدمة كبيرة في الأوساط الفنية والثقافية، حيث عجت منصات التواصل الاجتماعي برسائل النعي والتعازي، مستحضرين المسار الفني الطويل لصاحب “مرسول الحب” و”ما أنا إلا بشر”، والأثر العميق الذي تركه في وجدان أجيال من المغاربة والعرب.

ويعد عبد الوهاب الدكالي أحد أعمدة الأغنية المغربية الحديثة، إذ بصم على تجربة فنية استثنائية جمعت بين قوة الكلمة وجمالية اللحن وخصوصية الأداء، مساهما في نقل الأغنية المغربية إلى آفاق عربية أوسع، من خلال أعمال ظلت راسخة في الذاكرة الجماعية.

وعلى امتداد مساره الفني، حافظ الراحل على مكانة خاصة داخل المشهد الموسيقي، بفضل اختياراته الفنية الراقية وتمسكه بالأصالة المغربية، ليظل اسمه مرتبطا بفترة ذهبية من تاريخ الطرب المغربي، صنعت مجده كواحد من آخر حراس الزمن الجميل.

 

أقرأ ايضا