
2026-07-17 10:41
4D pal
في كشف علمي مثير قادته الطيور، نجحت دراسة حديثة في حل لغز تاريخي لطالما حير العلماء حول سر بقاء الجين المسؤول عن لون الشعر البرتقالي المائل إلى الأحمر لدى البشر، موضحة أن هذا الجين يمنح صاحبه فائدة صحية غير متوقعة تساعد الخلايا على التخلص من تراكم مركب كيميائي كاد أن يتحول إلى مادة سامة داخل الجسم.
وتأتي هذه النتائج، المستندة إلى تجارب مخبرية على طيور برية، لتقدم أول تفسير مقنع لبقاء هذه الصفة الوراثية عبر الأجيال، رغم ارتباطها الوثيق بزيادة مخاطر الإصابة سرطان الجلد.
خطر السيستين
وأوضحت الدراسة، التي نشرت تفاصيلها الدورية العلمية (PNAS Nexus)، أن الحمض الأميني المعروف باسم "السيستين" يمثل عنصرًا أساسيًا وبنيويًا في تكوين البروتينات المختلفة داخل جسم الإنسان، غير أن ارتفاع مستوياته وتركيزه داخل الخلايا إلى ما يتجاوز الحدود الطبيعية الآمنة يقود إلى أضرار صحية بالغة الخطورة، حيث أثبتت البحوث السابقة أن تراكم الصورة المؤكسدة من هذا الحمض، والتي تُعرف علمياً باسم "السيستين"، يرتبط ارتباطًا مباشرًا بتحفيز أحد الأشكال الفتاكة لموت الخلايا.
وفي المقابل، يعتمد الجسم البشري على هذا الحمض الأميني عينه لإنتاج صبغة "الفيوميلانين، وهي المسؤولة عن تلوين خصلات الشعر باللون البرتقالي المائل إلى الأحمر لدى بعض البشر، كما أنها الصبغة نفسها التي تمنح الريش لونه البرتقالي الزاهي لدى فصائل متنوعة من الطيور.
صبغة حيرت العلماء
ولطالما شكلت صبغة "الفيوميلانين" لغزًا محيرًا للعلماء على مدار سنوات طويلة، بعد إشارة دراسات سابقة إلى دورها في رفع احتمالات الإصابة بسرطان الجلد حتى في حالات غياب التعرض المباشر للأشعة فوق البنفسجية الضارة، ما طرح تساؤلات حول الأسباب التي سمحت ببقاء الصفات الوراثية المعززة لإنتاجها واستمرار انتشارها بين الأجيال المتعاقبة من البشر.
وتوصل الباحثون في الدراسة الجديدة إلى أن عملية إنتاج صبغة "الفيوميلانين" تؤدي وظيفة وقائية وحيوية بالغة الأهمية داخل الخلايا، من خلال قيامها باستهلاك الكميات الزائدة من مركب "السيستين" وتحويله إلى صبغة خاملة تمامًا، ما يمنع تراكمه ووصوله إلى مستويات سمية قاتلة، وأكد الفريق البحثي أن هذه النتائج تمثل أول دليل تجريبي ملموس يثبت وجود وظيفة فسيولوجية مباشرة وحيوية لهذه الصبغة داخل الجسد.
مفتاح فك الشفرة
وأشار الباحثون إلى أن إنجاز هذه الدراسة وتطبيقها عمليًا أصبح ممكنًا بفضل اكتشاف علمي حديث لمركب كيميائي يحمل اسم ML349، يتميز بقدرته الفائقة على تعطيل وتثبيط عملية تصنيع صبغة "الفيوميلانين" داخل الجسم بشكل مؤقت، ما أتاح للفريق فرصة اختبار ومراقبة التأثيرات المباشرة لغياب الصبغة على الخلايا.
واعتمدت التجارب المخبرية للدراسة على فحص 65 طائرًا بالغًا من "عصافير الزيبرا"، والتي تم اختيارها بدقة نظرًا لمناقيرها البرتقالية التي تحتوي بطبيعتها على نسب عالية من صبغة "الفيوميلانين"، وقسم العلماء الطيور الـ 65 إلى مجموعتين رئيستين، خضعت الأولى لعلاج مكثف بالمركب الجديد، بينما تركت المجموعة الثانية كمجموعة ضابطة للمقارنة والرصد.
تلف خلوي
وأخضع الباحثون ذكور عصافير الزيبرا في مجموعة العلاج لنظام غذائي مشبع ومكثف بحمض "السيستين"، بالتزامن مع إعطائهم مركب ML349 الذي يمنع خلاياهم من تكوين صبغة "الفيوميلانين".
وأظهرت الفحوصات أن ذكور الطيور التي تلقت "السيستين" مع المركب المثبط تعرضت لتلف وتدمير خلوي أشد بكثير وأعنف مقارنة بالطيور التي حصلت على حمض "السيستين" وحده دون وقف الصبغة، ويثبت هذا الفارق بشكل قاطع أن إنتاج الصبغة البرتقالية يلعب دور المخلص للخلايا، ويساهم في الحفاظ على التوازن البيولوجي الطبيعي لمستويات "السيستين".
كما لفت الباحثون إلى أن إناث الطيور التي حصلت على "السيستين" فقط أظهرت مؤشرات واضحة على زيادة التلف الخلوي مقارنة بالمجموعة الضابطة.
فلترة المادة السامة
ورجحت الدراسة- بناءً على المعطيات السابقة- أن الجسم البشري والحيواني يستخدم صبغة "الفيوميلانين" كآلية دفاعية وفلتر طبيعي للتخلص الآمن من فائض حمض "السيستين"، عبر تحويله كيميائيًا إلى صبغة خاملة مستقرة لا تشكل أي تهديد لسلامة الخلايا، وكتب الباحثون في تقريرهم النهائي أن تصنيع "الفيوميلانين" يقي الخلايا من التلف المحقق عبر تصريف تلك الكميات الزائدة والخطيرة من "السيستين" وتوجيهها إلى تراكيب كيراتينية خارجية خاملة، مثل خصلات الشعر أو ريش الطيور.
تفسير ثوري
ويعتقد فريق البحث أن هذا الدور غير المرئي يمثل الإجابة الشافية عن سر بقاء واستمرار الجينات المسؤولة عن إنتاج "الفيوميلانين" والشعر الأحمر عبر التاريخ البشري، مفضلًا تحمل مخاطر سرطان الجلد اللاحقة مقابل الحماية الفورية للخلايا من التسمم والموت المبكر.
وأوضح العلماء في ختام دراستهم أن هذه النتائج تفتح آفاقًا طبية واعدة للوصول إلى فهم أعمق للعوامل البيئية والصحية التي قد تؤثر في فرص الإصابة بسرطان الجلد، من خلال دراسة تأثير تلك العوامل على توافر الحمض الأميني "السيستين" وكيفية إدارته داخل الجسد.
وتضع هذه الدراسة حدًا لسنوات من الحيرة العلمية حول الجدوى من بقاء الجينات المسؤولة عن لون الشعر الأحمر والبرتقالي، فما كان ينظر إليه كخلل جيني يرفع خطر الإصابة بسرطان الجلد، تبين أنه نظام حماية متطور يحمي الخلايا من دمار داخلي محقق.