
2026-07-18 07:50
رام الله -4D PAl
(الحلقة الأولى)
في حوار يكشف فيه الفنان الفلسطيني تفاصيل رحلته من الطفولة القاسية إلى بطولة السينما العربية، يتحدث عن الهوية، المعاناة، ثمن النجاح، والخوف الأكبر من غياب الاستمرارية.
لم تكن رحلة نسيم مطير إلى عالم الفن طريقًا تقليديًا يبدأ من أكاديمية أو مسرح أو شبكة علاقات جاهزة. بدأت من مكان آخر تمامًا؛ من مخيم قلنديا، حيث تشكلت ذاكرته الأولى، وحيث تعلم مبكرًا أن الأحلام الكبيرة تحتاج إلى إرادة أكبر.
اليوم، يقف نسيم أمام مرحلة جديدة في مسيرته بعد انتقاله إلى البطولة السينمائية في فيلم "التراث الضائع"، لكنه لا يتحدث عن هذا التحول باعتباره لحظة انفصال عن ماضيه، بل باعتباره امتدادًا طبيعيًا لكل ما عاشه.
في هذا الحوار – وهو الحلقة الأولى من سلسلة حلقات - يعود نسيم إلى الطفل الذي كانه، وإلى المكان الذي صنع شخصيته، وإلى اللحظة التي تغير فيها مساره، كما يتحدث عن دخوله عالم الفن، وعن التحديات التي واجهها كفنان فلسطيني يحاول الوصول إلى مساحة عربية أوسع.
عندما أذكر مخيم قلنديا أتذكر الوفاء والمحبة والرجولة
عندما يُذكر اسم المخيم أمام نسيم، يصمت قليلًا قبل أن يجيب، وكأنه يستعيد صورة قديمة من الذاكرة. فيقول: "أول صورة تخطر في بالي عندما يخطر اسم مخيم قلنديا، بكل صدق وأمانة، هي المحبة والعطاء والوفاء والرجولة. أتذكر طبيعة النسيج الاجتماعي الموجود داخل المخيم، أتذكر طفولتي في أزقته، وأتذكر أننا تعودنا على حال الواحد والقلب الواحد".
بالنسبة إلى مطير، لا يمكن اختزال المخيم في الصورة التي تظهر أحيانا عبر نشرات الأخبار، فهناك، خلف العناوين السياسية، حياة كاملة مليئة بالعلاقات الإنسانية والتفاصيل اليومية.
وفي هذا الأمر يقول مطير: "المخيم له الكثير في داخلي. أول شيء يعنيه لي هو الوفاء والعطاء. هناك تعلمت معنى أن تعطي بلا مقابل، وأن تشعر بالمسؤولية تجاه الآخرين".
هذه القيم، كما يرى النجم الفلسطيني نسيم مطير، لم تكن شعارات تربى عليها، بل ممارسات يومية عاش تفاصيلها بين الناس.
"المخيم شكّل شخصيتي. سواء على صعيد الطفولة والنشأة، أو على صعيد العمر الذي نعيشه اليوم. شكّل فينا تحمل المسؤولية، والحالة العامة من المحبة، وحالة اليد الواحدة".
ويرى أن أصعب البيئات قد تكون أحيانًا أكثرها قدرة على صناعة الإنسان.
"المعاناة التي عشناها لم تكن فقط ألمًا، كانت أيضًا محفزًا. جعلتني أقول لنفسي: صحيح أنني أعيش في مرحلة وظروف معينة، لكن هذا لا يمنعني من أن أسير خلف أحلامي".
وفي سؤاله عن أكثر موقف أثر في حياته، يقول مطير: "أكثر ما أثر في طفولتي كان غياب والدي".
وراء صورة الفنان الذي يقف اليوم بثقة أمام الكاميرا، توجد ذاكرة طفل حمل أسئلة أكبر من عمره.
حين يُسأل نسيم عن أصعب موقف ما زال حاضرًا في ذاكرته، لا يتردد في الحديث عن فقدان حضور والده في مراحل مهمة من حياته. قائلا: "بصراحة، أصعب موقف شخصي كان فقدان وجود الوالد في بعض المحطات من العمر. ليس فقدانًا بمعنى الرحيل، بل الحرمان من وجود الأب معك في بعض اللحظات التي تحتاج فيها إليه".
كانت الظروف القاهرة المحيطة بالعائلة سببًا في هذا الغياب، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في طفولته. "أنت تعرف كيف تكون طفولة الإنسان، في المدرسة، في المواقف اليومية، في اللحظات التي يحتاج فيها إلى والده. هذه التجربة تركت فراغًا كبيرًا بداخلي".
لكن مطير لا ينظر إلى هذه التجربة باعتبارها جرحًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من الشخصية التي صنعته. فكل غياب، وكل مسؤولية حملها مبكرًا، أسهمت في بناء الإنسان الذي أصبح عليه اليوم.
هل يمكن للمكان أن يضع سقفًا للأحلام؟
السؤال الذي يواجه كثيرين ممن يخرجون من بيئات صعبة هو: هل كان المكان الذي ولدت فيه يمكن أن يحد من أحلامك؟
يجيب مطير بأن الأمر مرتبط أولًا بإيمان الإنسان بنفسه. "نعم، إلى حد ما، لو كان الإنسان ضعيف الحلم أو ضعيف الإمكانيات أو محدود الفكر، ربما كان المكان يستطيع أن يؤثر عليه. لكن الحمد لله، البيئة التي عشت فيها لم تحدني، بل على العكس، جعلتني أنمو".
ويضيف: "أحيانًا الظروف الصعبة تكون سببًا في أن يدفع الإنسان نفسه أكثر. أنا لم أنظر إلى المخيم باعتباره نهاية الطريق، بل باعتباره نقطة البداية".
بالنسبة إليه، المشكلة ليست في المكان، بل في الاستسلام لفكرة أن المكان يحدد المستقبل.
"الإنسان يستطيع أن يخلق طريقه. قد تكون البداية صعبة، لكن هذا لا يعني أن النهاية ستكون محدودة".
الاعتقال... اللحظة التي أعادت ترتيب كل شيء
عندما يتحدث نسيم مطير عن اللحظة التي غيرت مساره، لا يذكر أول تجربة أمام الكاميرا، بل يعود إلى تجربة شخصية قاسية. "الحلم كان موجودًا منذ فترة طويلة، لكن اللحظة التي شعرت فيها أن المسار سيتغير كانت أثناء اعتقالي الأخير".
كانت التجربة، كما يصفها، مؤلمة وغير متوقعة، لكنها حملت معها مراجعة داخلية عميقة.
"في تلك اللحظة أدركت أن عليّ أن أوصل صوتي كفلسطيني، كابن مخيم، إلى أي مكان في العالم".
ولم يكن يقصد إيصال الصوت فقط عبر الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل عبر مجالات مختلفة. "سواء كان ذلك في الفن أو الاقتصاد أو العلم أو أي مجال آخر. المهم أن يكون الفلسطيني حاضرًا بصورة مختلفة، وأن يرى العالم أننا نملك القدرة على الإنجاز".
من هنا بدأ الفن يأخذ مكانًا مختلفًا في حياته. لم يعد مجرد حلم قديم، بل أصبح مشروعًا يريد من خلاله أن يقدم نفسه وقصته وتجربته.
من الأزياء إلى التمثيل... صدفة صنعت بداية جديدة
لم تكن بداية نسيم مطير في عالم الصورة نتيجة خطة طويلة، حيث يسلط الضوء قائلا: "دخولي عالم الأزياء كان بالصدفة البحتة. كان هناك لقاء عشاء بين أصدقاء وزملاء، ودار نقاش، وكان معنا صديق مشترك لمس لدي إمكانية لأن أكون وجها إعلانيًا لعلامة معينة".
لم يكن يعرف وقتها أن تلك الخطوة ستفتح له بابًا جديدًا. "لم تكن محطة مخططًا لها، لكنها أصبحت بداية". لكن الانتقال من صورة الإنسان الذي يعرفه الناس في محيطه إلى عالم الأزياء والفن لم يكن أمرًا عاديًا بالنسبة للبعض. يؤكد: "الناس استغربوا أكثر مما رفضوا. لأنهم كانوا يعرفونني في سياق مختلف؛ حالة وطنية واجتماعية وشعبية عشتها سنوات طويلة، ثم انتقلت إلى عالم الأزياء والفن".
لكن مطير لم يرَ تناقضًا بين المسارين. "أنا لا أرى الفن بعيدًا عن الإنسان الذي كنت عليه. بالعكس، كل ما عشته هو الذي يجعلني أقدم شيئًا له معنى".
يتبع في الحلقة الثانية...