إسرائيليات

مستقبل الضفة الغربية بعد الانتخابات الإسرائيلية

Case

2026-10-17 10:38

Copy Link

الضفة الغربية - البعد الرابع (4dPAL)

تتجه الأنظار إلى الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وسط تساؤلات متزايدة بشأن انعكاساتها على مستقبل الضفة الغربية، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين، وتسارع النشاط الاستيطاني، واستمرار القيود العسكرية المفروضة على الفلسطينيين، إلى جانب تراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الاحتلال.

ولا تقتصر أهمية الانتخابات على هوية رئيس الحكومة المقبل أو شكل الائتلاف الحاكم، بل تمتد إلى طبيعة السياسات التي ستُعتمد تجاه الاستيطان والأراضي الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، وحدود الدور الذي ستؤديه المؤسسة العسكرية في إدارة شؤون الضفة الغربية خلال المرحلة المقبلة.

ومع اقتراب موعد الاقتراع، لا تزال النتائج غير محسومة، وسط منافسة بين معسكر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وقوى المعارضة التي تسعى إلى تشكيل حكومة بديلة. غير أن المؤشرات السياسية المتاحة لا توحي بوجود توافق واسع داخل المعسكرات الإسرائيلية الرئيسية على تغيير جذري في السياسات المتعلقة بالضفة أو القبول الفوري بقيام دولة فلسطينية.

الاستيطان.. الملف الأكثر تأثيرًا في مستقبل الضفة

يبرز ملف الاستيطان بوصفه أحد أهم العوامل التي ستحدد مسار الضفة الغربية بعد الانتخابات، في ظل إجراءات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية خلال العام الجاري لتوسيع صلاحياتها الإدارية والمدنية في الأراضي المحتلة، وتسهيل إجراءات مرتبطة بالأراضي والبناء الاستيطاني.

وتشير تحليلات سياسية إلى أن استمرار الائتلاف اليميني الحالي، أو تشكيل حكومة تعتمد على قوى تؤيد توسيع الاستيطان، قد يفتح المجال أمام تسريع هذه السياسات وتعزيز السيطرة الإسرائيلية الفعلية على مزيد من مناطق الضفة، بما يفاقم التحديات أمام التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.

وفي المقابل، تتحدث قوى معارضة عن ضرورة مراجعة بعض السياسات التي اتبعتها الحكومة الحالية، خصوصًا ما يتعلق بعنف المستوطنين والعلاقات مع الحلفاء الدوليين. لكن هذه المواقف لا تعني بالضرورة تبني مسار سياسي يقود إلى إنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ويبرز مشروع المنطقة الاستيطانية "E1" شرقي القدس ضمن الملفات التي ستتضح تطوراتها بعد الانتخابات؛ إذ كان من المقرر إغلاق باب تقديم العطاءات الخاصة بالمشروع في 19 تشرين الأول/أكتوبر، فيما أشارت متابعة استيطانية إلى أن النظر في ترسية العطاءات لن يتم قبل الانتخابات. ويكتسب المشروع أهمية بسبب تداعياته المحتملة على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها ومحيط القدس.

اعتداءات المستوطنين.. اختبار مبكر للحكومة المقبلة

يتزامن الاستحقاق الانتخابي مع تصاعد الاعتداءات على الفلسطينيين، ولا سيما خلال موسم قطف الزيتون، الذي يشهد سنويًا مواجهات واعتداءات تستهدف المزارعين وأراضيهم وممتلكاتهم.

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت عدة قرى في الضفة هجمات شملت الاعتداء على قاطفي الزيتون وإحراق مركبات وأشجار، وسط تقارير عن اتساع نطاق العنف وتزايد المخاوف من تأثيره على قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم وجني محاصيلهم.

ومن المتوقع أن يشكل التعامل مع هذه الاعتداءات أحد المؤشرات المبكرة على توجهات الحكومة المقبلة؛ إذ سيكون الاختبار في مدى اتخاذ إجراءات فعلية لمنع الهجمات ومحاسبة المسؤولين عنها، وليس فقط في التصريحات السياسية التي تدين العنف.

وفي حين تتحدث قوى معارضة عن الحد من اعتداءات المستوطنين وإزالة بعض البؤر غير القانونية، فإن مدى تطبيق هذه التعهدات سيظل مرتبطًا بتركيبة الائتلاف الحكومي المقبل، ومواقف الأحزاب المشاركة فيه، واستعداد مؤسسات الدولة لتنفيذ القرارات على الأرض.

السلطة الفلسطينية.. ضغوط سياسية واقتصادية متواصلة

يمثل مستقبل العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية المقبلة والسلطة الفلسطينية عاملًا آخر في تحديد مسار الضفة الغربية. فالسلطة تواجه تحديات متراكمة تتصل بالأوضاع الاقتصادية، وتراجع الثقة الشعبية، والقيود المفروضة على الحركة والعمل والإدارة، إلى جانب الخلافات السياسية الداخلية.

وقد يؤدي استمرار السياسات الإسرائيلية التي تحد من قدرة السلطة على إدارة المناطق الواقعة ضمن صلاحياتها إلى زيادة الضغوط على مؤسساتها، فيما قد تفتح أي حكومة جديدة مجالًا لاستئناف بعض أشكال التنسيق أو التعاون الإداري والأمني، إذا رأت أن ذلك يخدم توجهاتها.

لكن استعادة قنوات التواصل لا تعني بالضرورة حدوث تحول سياسي شامل؛ إذ تشير قراءات الانتخابات إلى أن قوى المعارضة الرئيسية لا تتبنى بصورة واضحة مشروع إقامة دولة فلسطينية في المدى القريب، رغم اختلافها مع الحكومة الحالية في بعض الملفات الداخلية وفي طريقة إدارة العلاقة مع الفلسطينيين.

وبذلك، قد ينحصر أي تغيير محتمل في طبيعة إدارة الصراع ومستوى التنسيق والإجراءات الميدانية، من دون أن يصل بالضرورة إلى تغيير جوهري في واقع الاحتلال أو في مستقبل الحل السياسي.

ثلاثة سيناريوهات محتملة

تتوقف ملامح المرحلة المقبلة على نتائج الانتخابات، وقدرة الأحزاب على تشكيل حكومة مستقرة، وطبيعة التفاهمات التي ستُعقد بين مكوناتها. وفي ضوء المعطيات الحالية، يمكن تحديد ثلاثة مسارات محتملة:

أولًا: استمرار النهج اليميني المتشدد

في حال تمكن نتنياهو وحلفاؤه من تشكيل الحكومة المقبلة، فقد تتواصل سياسات توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي، مع احتمال تصاعد الضغوط على الفلسطينيين في المناطق المهددة بالمصادرة أو التوسع الاستيطاني. وسيبقى حجم التغيير الفعلي مرتبطًا بتركيبة الائتلاف والضغوط الدولية والتطورات الأمنية.

ثانيًا: تغيير في الإدارة دون تحول سياسي جذري

قد يؤدي فوز المعارضة وتشكيلها حكومة جديدة إلى مراجعة بعض السياسات، ومحاولة احتواء اعتداءات المستوطنين، وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة ودول أخرى، واستعادة قدر من التعاون مع السلطة الفلسطينية. غير أن هذا السيناريو لا يضمن وقف التوسع الاستيطاني أو تغيير الموقف الإسرائيلي الرافض لقيام دولة فلسطينية في المدى القريب.

ثالثًا: استمرار الجمود السياسي وتعقّد تشكيل الحكومة

في حال أسفرت الانتخابات عن برلمان منقسم، وتعذّر تشكيل ائتلاف مستقر، فقد تدخل إسرائيل مرحلة من التجاذبات السياسية التي تؤخر اتخاذ قرارات استراتيجية. وفي هذه الحالة، قد تستمر الوقائع الميدانية القائمة في الضفة من دون تغيير جوهري، فيما تبقى ملفات الاستيطان والعنف والقيود العسكرية مصدرًا للتوتر.

وتستند هذه السيناريوهات إلى المواقف المعلنة والتحليلات السابقة للاقتراع، ولا تمثل توقعات محسومة لنتائج الانتخابات أو للسياسات التي ستعتمدها الحكومة المقبلة.

الضفة بين نتائج الصندوق والوقائع على الأرض

لا يتوقف مستقبل الضفة الغربية على هوية الفائز في الانتخابات الإسرائيلية وحدها، بل يتأثر أيضًا بالسياسات التي ستُترجم إلى قرارات عملية، وبحجم الضغوط الدولية، وموقف الإدارة الأميركية، وقدرة الفلسطينيين على مواجهة تداعيات الاستيطان والاعتداءات والقيود المفروضة على حياتهم اليومية.

وفي ظل غياب توافق إسرائيلي واسع على مسار واضح نحو إنهاء الاحتلال، تبدو احتمالات التغيير الجذري محدودة في المرحلة القريبة، حتى مع احتمال حدوث اختلافات في إدارة الملفات الأمنية والاستيطانية والعلاقة مع السلطة الفلسطينية.

وعليه، فإن المؤشر الأهم بعد الانتخابات لن يكون اسم رئيس الحكومة المقبل فقط، بل طبيعة القرارات التي ستُتخذ بشأن الأراضي والاستيطان واعتداءات المستوطنين وحرية الحركة، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد احتواءً للتصعيد أم استمرارًا في تكريس الوقائع القائمة على الأرض.

أقرأ ايضا