أخبار

نازحو طولكرم.. عامان من الغياب عن المخيم

Case

2026-09-19 16:08

Copy Link

طولكرم - البعد الرابع (4dpal)

لم يعد النزوح بالنسبة إلى آلاف اللاجئين من مخيمي طولكرم ونور شمس حدثًا مؤقتًا ينتظرون نهايته، بل تحوّل إلى واقع ممتد منذ بدء العمليات العسكرية في شمال الضفة الغربية مطلع عام 2025، بعدما غادر سكان المخيمين منازلهم وسط عمليات عسكرية واسعة وأضرار كبيرة لحقت بالمساكن والبنية التحتية.

ومع مرور الوقت، بقيت العودة إلى المخيمين معلقة، فيما توزعت العائلات النازحة بين مدينة طولكرم والبلدات والقرى المحيطة، واضطرت أسر أخرى إلى الانتقال إلى مناطق أبعد بحثًا عن مكان آمن أو منزل يمكن استئجاره.

وبحسب الأمم المتحدة، لا يزال أكثر من 33 ألف لاجئ فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ومحيطها نازحين منذ بداية عام 2025، فيما قال تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، صدر في 4 سبتمبر/أيلول 2026، إن سكان مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم هُجّروا بالكامل خلال يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2025، وما زالوا ممنوعين من العودة إليها.

مخيما طولكرم ونور شمس.. منازل بلا سكان

مخيم طولكرم ومخيم نور شمس ليسا تجمعين سكنيين عابرين، بل من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي نشأت بعد نكبة عام 1948.

ويعود تأسيس مخيم نور شمس إلى عام 1952، ويقع على بعد نحو ثلاثة كيلومترات شرق مدينة طولكرم. ووفق بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، كان عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في المخيم يبلغ 13,739 شخصًا وفق بيانات عام 2023، مع التنبيه إلى أن الرقم يمثل المسجلين لدى الوكالة وليس بالضرورة عدد الموجودين فعليًا داخل المخيم.

أما مخيم طولكرم، فقد أصبح هو الآخر منذ مطلع عام 2025 جزءًا من واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدتها الضفة الغربية منذ عقود، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن العمليات العسكرية ألحقت أضرارًا واسعة بالمخيمين، طالت المنازل والطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والاتصالات والمنشآت الخدمية. وبحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، كان 48 في المئة من مباني مخيم نور شمس و36 في المئة من مباني مخيم طولكرم قد دُمرت أو تضررت حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025.

النزوح لم يكن رحلة واحدة

بالنسبة إلى كثير من العائلات، لم يكن الخروج من المخيم انتقالًا من منزل إلى منزل آخر، العائلة التي غادرت منزلها اضطرت أولًا إلى البحث عن مكان قريب تستطيع الوصول منه إلى عملها ومدارس أطفالها وأقاربها، ثم وجدت نفسها أمام سؤال أكثر صعوبة: إلى متى ستبقى خارج المخيم؟

بعض النازحين لجأوا إلى منازل أقاربهم، وآخرون استأجروا شققًا في طولكرم أو بلدات مجاورة، فيما انتقلت عائلات من نور شمس إلى مناطق مثل عتيل وبلعا، أو إلى إكتابا وغيرها من المناطق المحيطة.

وتوثق شهادات جمعها المجلس النرويجي للاجئين قصصًا لنازحين من مخيم طولكرم إلى مدينة طولكرم، ومن نور شمس إلى عتيل وبلعا وإكتابا، مع استمرار محاولاتهم الحفاظ على حياتهم اليومية رغم فقدانهم منازلهم ومجتمعهم المحلي.

البيت الذي بقي خلفهم

أحد أثقل جوانب النزوح بالنسبة إلى السكان لم يكن فقدان المكان فقط، بل عدم القدرة على معرفة متى يمكن العودة إليه، أو في أي حالة سيكون المنزل عند العودة، وفي يونيو/حزيران 2026، سُمح لنحو 65 عائلة نازحة من مخيمي طولكرم ونور شمس بدخول المخيمين بشكل محدود لاستعادة بعض مقتنياتهم الشخصية، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وكان الدخول خاضعًا لتنسيق مسبق وإجراءات تفتيش مشددة، ولم يكن بمثابة عودة دائمة للسكان إلى منازلهم، وفي شهادة نقلتها وكالة الأناضول في يونيو/حزيران، قال أحد النازحين من مخيم نور شمس إنه فوجئ عند دخوله منزله بعد فترة طويلة بأنه أصبح بلا أثاث، بعدما سُمح له بالعودة مؤقتًا لإخراج بعض مقتنياته.

وهكذا، بالنسبة إلى كثير من النازحين، أصبح البيت الذي كان يفترض أن يكون مكان العودة، مكانًا يحتاج أولًا إلى تفقد ما بقي فيه.

الدمار لا يتوقف عند الجدران

المشكلة التي يواجهها النازحون ليست فقدان المساكن فقط، فالأضرار طالت شبكات المياه والصرف الصحي والطرق والاتصالات والمنشآت الخدمية، ما يعني أن إعادة السكان إلى المخيمين، عندما تصبح ممكنة، لا تتعلق بفتح الطرق أمامهم فقط، بل بإعادة بناء بيئة يمكن العيش فيها.

وتحدثت دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، بعد زيارة لمخيمي طولكرم ونور شمس في يونيو/حزيران، عن أضرار كبيرة لحقت بالبنية التحتية والمنازل والمؤسسات الخدماتية، وربطت هذه الأضرار بتداعيات النزوح على الأوضاع الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للاجئين.

كما قالت الأمم المتحدة إن عمليات تدمير المنازل والبنية التحتية جعلت العودة أكثر صعوبة، وإن أكثر من 33 ألف فلسطيني من مخيمات شمال الضفة ظلوا يواجهون احتياجات كبيرة في مجال السكن والمأوى.

الأطفال.. مدرسة خارج المخيم

النزوح غيّر أيضًا شكل الحياة التعليمية للأطفال، ومع بدء العام الدراسي 2026/2027، لم يتمكن الطلبة اللاجئون من مخيمي طولكرم ونور شمس من العودة إلى مدارسهم المعتادة بسبب استمرار تعذر الوصول إلى عدد من مباني الأونروا.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تستوعب أربعة مبانٍ مدرسية تابعة للأونروا تقع بجوار مخيم طولكرم نحو 2,300 طالب من ست مدارس في مخيمي طولكرم ونور شمس، أما في مخيم نور شمس، فما زال الوصول إلى مبنيين مدرسيين تابعين للأونروا متعذرًا، فيما نقلت الأونروا جزءًا من العملية التعليمية إلى أماكن بديلة.

وهذا يعني أن الطفل النازح لا يفقد غرفته ومكان لعبه فقط، بل يضطر إلى إعادة بناء روتينه اليومي في مكان آخر، بينما تبقى مدرسته وحيّه وأصدقاؤه خلف منطقة لا يستطيع الوصول إليها بصورة طبيعية.

العمل والدخل.. نزوح اقتصادي أيضًا

الابتعاد عن المخيم انعكس على مصادر دخل الأسر، فالعديد من سكان المخيمين كانوا يعتمدون على أعمال مرتبطة بالمكان أو المدينة القريبة، فيما أدت تكلفة الإيجار والنقل والاحتياجات اليومية إلى إضافة أعباء جديدة على عائلات كانت أصلًا تعيش في ظروف اقتصادية صعبة.

ويشير المجلس النرويجي للاجئين إلى أن النازحين واجهوا احتياجات متعددة تتعلق بالحماية والدعم النفسي والمعلومات القانونية ومتابعة الحالات، ضمن برامج استهدفت مجتمعات متضررة من العنف والنزوح في محافظة طولكرم وغيرها.

ومع استمرار النزوح، يتحول السؤال من «أين ننام الليلة؟» إلى أسئلة أكثر تعقيدًا: كيف ندفع الإيجار؟ كيف يصل الأطفال إلى المدرسة؟ كيف يحافظ رب الأسرة على عمله؟ وكيف تستطيع العائلة الاستمرار إذا لم تعرف موعد العودة؟

الأونروا.. خدمات معلقة واحتياجات متزايدة

يرتبط مستقبل سكان المخيمين أيضًا بمستقبل خدمات الأونروا، التي تقدم خدمات أساسية للاجئين الفلسطينيين في التعليم والصحة والإغاثة وغيرها.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، قال محافظ طولكرم عبد الله كميل إن أي شروط تتعلق بالأونروا في سياق الحديث عن عودة النازحين إلى مخيمي طولكرم ونور شمس مرفوضة، مؤكدًا أن الوكالة أُنشئت بقرار دولي، وفق ما نشرته محافظة طولكرم.

وفي المقابل، أشارت الأمم المتحدة إلى أن الأونروا تعمل حاليًا ضمن جدول عمل مخفض بسبب إجراءات تقشفية، الأمر الذي يزيد صعوبة توفير الخدمات في المناطق التي تشهد احتياجات إنسانية مرتفعة.

العودة.. السؤال الذي لا يغيب

بالنسبة للنازحين، لا تبدو العودة مجرد انتقال جغرافي من مكان الإقامة الحالي إلى المخيم، هناك منازل تحتاج إلى إصلاح، وشوارع وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل، ومدارس ومراكز صحية وخدمات يجب أن تستعيد قدرتها على العمل، وفوق ذلك كله، هناك سؤال الأمن وإمكانية البقاء داخل المخيم دون أن يتكرر النزوح.

وفي يونيو/حزيران، قالت الأمم المتحدة إن نحو 65 عائلة من مخيمي طولكرم ونور شمس تمكنت من دخول المخيمين لفترة محدودة لاستعادة ممتلكاتها، في وقت استمر فيه نزوح أكثر من 33 ألف شخص من المخيمات الثلاثة في شمال الضفة ومحيطها.

وفي سبتمبر/أيلول، قال تقرير للأمم المتحدة إن سكان مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم ما زالوا ممنوعين من العودة، وإن التهجير طال أكثر من 33 ألف شخص من المخيمات الثلاثة ومحيطها.

النازح الذي يعيش خارج المخيم.. ولا يغادره

بعد أكثر من عام ونصف على بدء موجة النزوح، لم يعد المخيم بالنسبة إلى كثير من سكانه مجرد عنوان على بطاقة الهوية أو مكان إقامة سابق، هو البيت الذي تركوه، والمكان الذي بقيت فيه صورهم وأثاثهم وذكرياتهم، والمدرسة التي عرفها أبناؤهم، والجيران الذين عاشوا معهم سنوات طويلة.

وفي الجهة الأخرى، تحولت أماكن الاستضافة إلى بيوت مؤقتة طال بقاؤها، تحمل معها كلفة جديدة وحياة غير مستقرة؛ لهذا، فإن قصة نازحي طولكرم لا تختصرها أرقام النزوح وحدها.

فوراء أكثر من 33 ألف نازح من مخيمات شمال الضفة، وفق المعطيات الأممية، توجد آلاف الأسر التي تعيش منذ أكثر من عام خارج منازلها، وتنتظر أن يتحول الحديث عن العودة من احتمال مؤجل إلى واقع.

وبينما تستمر الأضرار في تغيير شكل المخيمين، يبقى السؤال الأوضح لدى سكانهما: متى يصبح الطريق إلى البيت طريق عودة فعلية، لا مجرد زيارة قصيرة لاستعادة ما تبقى من حياة تركوها خلفهم؟