أخبار

حكايةُ صديق يودّع شهيداً..وحبل الذكريات ممدود

Case

2026-05-24 13:58

Copy Link

كتبت: رنيم علوي

4D pal

ليس من السهل أن يتحدث الإنسان عن صديقه الراحل، فكيف إذا كان هذا الصديق شهيداً؟ عندها تتوقف الحروف، وتتلعثم الكلمات، ويصبح الصمت أصدق من أي وصف، الحديث عن الفقد ليس مجرد استعادة لذكريات جميلة، بل مواجهة مباشرة مع لحظة انكسار لا يمكن تجاوزها بسهولة، وفي هذه الحكاية، لا نتحدث فقط عن رحيل شاب، بل عن جيلٍ فلسطيني يعيش يومه على حافة الخسارة، ويحاول رغم كل شيء أن يتمسك بالحياة.

في قرية دير جرير شرق رام الله، عاش الشهيد براء معالي حياته كأي شاب فلسطيني يحلم بمستقبل هادئ وسط واقع مليء بالتوتر واقتحامات الاحتلال الإسرائيلي المتكررة، عُرف بين أهالي بلدته وأصدقائه بروحه المرحة وقربه من الجميع، وكان من الشباب الذين ارتبطوا بقريتهم ونسجوا مع أهلها علاقات اجتماعية متينة، حتى أصبح اسمه معروفاً لدى كل من قابله أو اقترب منه؛ لكن حياته انتهت فجأة بعد استهداف الاحتلال لمجموعة من الشبان في المنطقة، في واحدة من سلسلة الاستهدافات التي شهدتها قرى وبلدات شرق رام الله خلال الفترة الأخيرة.

تصعيد احتلالي متواصل

خلال الأشهر الأخيرة، شهدت قرى شرق رام الله، ومنها دير جرير وسلواد والمغير وبيتين، تصعيداً واضحاً من قوات الاحتلال تمثل في الاقتحامات المتكررة، وإطلاق النار، وعمليات الاستهداف المباشر للشبان الفلسطينيين، كما أصبحت المنطقة تعيش حالة دائمة من التوتر، خاصة مع ازدياد المواجهات والاعتداءات اليومية التي تطال الأهالي والطرق الزراعية ومداخل القرى.

هذا التصعيد ترك أثراً عميقاً في نفوس أبناء المنطقة، خصوصاً جيل الشباب، الذين باتوا يعيشون يومهم بين الدراسة والعمل ومحاولات النجاة من واقع متقلب لا يمنحهم شعوراً حقيقياً بالأمان، وفي ظل هذه الظروف، أصبحت أخبار الشهداء والإصابات جزءاً من الحياة اليومية، حتى بات الفقد تجربة يعيشها الجميع بشكل مباشر أو غير مباشر.

صداقة عُمْر

يروي محمد حمدان علاقته ببراء بصوت تختلط فيه الذكريات بالألم قائلاً: "أنا وبراء من أول يوم مدرسة إلى حين التخرج من الجامعة مع بعض".

لم تكن علاقتهما مجرد معرفة عابرة، بل امتدت لسنوات طويلة من المشاركة اليومية؛ في المدرسة، وفي الجامعة، وفي تفاصيل الحياة الصغيرة التي تصنع معنى العمر، كانا يلتقيان بشكل شبه يومي، يذهبان ويعودان معاً، حتى أصبحت حياتهما متشابكة إلى درجة يصعب معها تخيل أحدهما دون الآخر.

ويصف محمد صديقه قائلاً: "كان كثير منيح وبحب المزح والمقالب".

لم يكن براء مجرد شاب عادي، بل كان صاحب حضور لافت يترك أثراً في كل مكان يذهب إليه، كان محبوباً من الجميع، باعثاً للبهجة، قريباً من الناس، يحمل روحاً مرحة تخفف عمن حوله، ويملك قدرة على رسم البسمة على شفاه الآخرين حتى في أصعب الظروف، وهذا النوع من الأشخاص لا يُنسى بسهولة؛ لأن غيابه يترك فراغاً واضحاً في كل تفاصيل الحياة اليومية.

ويؤكد محمد أن براء كان قريباً من أصدقائه بشكل كبير، لا يترك مناسبة إلا ويشاركهم فيها، ويحرص دائماً على الوقوف إلى جانب من يحبهم؛ لذلك شكّل خبر استشهاده صدمة حقيقية لكل من عرفه، خاصة أن حضوره كان دائماً مليئاً بالحياة والطاقة.

اللحظة الفارقة!

يتوقف محمد كثيراً عند لحظة استشهاد براء، وكأن الزمن تجمد هناك، يستعيد المشهد قائلاً: "أنا واقف جنبه… بس وقع عالأرض، لفيت عليه بحكيله: قوم بلاك هبل ومزح".

في تلك اللحظة لم يستوعب محمد أن ما يحدث حقيقيا، حيث بدا له المشهد وكأنه إحدى مزحات براء المعتادة، لكنه سرعان ما أدرك أن الحقيقة كانت أقسى من الاحتمال، لحظة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تنقل محمد من عالم مليء بالحياة والضحك إلى عالم يسكنه الغياب.

يشير محمد إلى أن أصعب ما في الفقد ليس لحظة الرحيل نفسها، بل ما بعدها؛ الاعتياد على غياب الشخص الذي كان جزءاً ثابتاً من يومه، فكل زاوية، وكل طريق، وكل تفصيل صغير يعيده إلى صديقه الذي رحل فجأة.

فوق حدود الصداقة

لم تكن علاقة محمد ببراء محصورة بهما فقط، بل امتدت إلى العائلة أيضاً، يروي محمد كيف كانت والدة براء تتواصل معه باستمرار للاطمئنان على ابنها، وكيف كان يمثل بالنسبة لها مصدر أمان وثقة، هذه العلاقة العائلية تعكس عمق الصداقة بينهما، حيث يصبح الصديق جزءاً من العائلة، لا مجرد رفيق عابر.

ومن أكثر اللحظات قسوة في رواية محمد، كانت مواجهته لوالدة براء في المستشفى، حين سألته: "احكيلي إنه براء منيح؟".

لم يجد محمد إلا أن يطمئنها، رغم أنه لم يكن يملك يقيناً، لكنه كان يحاول التمسك بأي أمل ممكن، غير أن تلك الكلمات تحولت لاحقاً إلى عبء ثقيل يحمله في داخله، خاصة عندما قالت له لاحقاً: "حكيت إنه منيح، بس هيو استشهد أخوك يا محمد".

لم تكن هذه الجملة مجرد عتاب، بل كانت تعبيراً مكثفاً عن حجم الألم الذي تعيشه الأم، وعن الحقيقة القاسية التي لا يمكن الهروب منها.

ذاكرة عصية على النسيان

لم يكن براء معالي مجرد اسم يُضاف إلى قائمة الشهداء، بل كان حياة كاملة مليئة بالتفاصيل والأحلام، كان ابناً وصديقاً وشاباً يحمل طموحات بسيطة كغيره من أبناء جيله، عاش قريباً من الناس، وترك فيهم أثراً لا يُمحى، لذلك لم يكن رحيله حدثاً عابراً بالنسبة لمن عرفه.

في القرى الفلسطينية، لا يتحول الشهيد إلى مجرد صورة معلقة على الجدران، بل يصبح حكاية حيّة تتناقلها الذاكرة الجماعية، بل يبقى حاضراً في الأحاديث، وفي الأماكن التي كان يجلس فيها، وفي الوجوه التي أحبته، هكذا بقي براء حاضراً رغم غيابه؛ في أصدقائه، وفي عائلته، وفي كل من عرفه عن قرب.

تبقى الحكايات هي ما يمنح الراحلين حضورهم المستمر، قد يغيب الأشخاص بأجسادهم، لكن ذكراهم تبقى حيّة في قلوب من أحبّوهم، وقصة محمد وبراء ليست مجرد قصة صديقين، بل مرآة لواقع كامل يعيشه جيل فلسطيني اعتاد أن يودع أحباءه باكراً، وأن يحمل أسماءهم وذكرياتهم في مواجهة النسيان.

أقرأ ايضا