أخبار

الهدم الذاتي يشرّد 14 طفلاً في جبل المكبر

Case

2026-11-06 15:03

Copy Link

القدس المحتلة - البعد الرابع (4dPAL)
في مشهد جديد يعكس تداعيات سياسات الهدم الإسرائيلية على حياة المقدسيين، وجدت عائلتان فلسطينيتان نفسيهما بلا مأوى في بلدة جبل المكبر جنوب شرق القدس المحتلة، بعدما أُجبرتا على هدم منزليهما بأيديهما، تنفيذاً لقرارات صادرة عن سلطات الاحتلال، بذريعة البناء دون ترخيص، لتتحول منازل احتضنت أطفالهما لسنوات إلى أنقاض، وتبدأ العائلتان رحلة جديدة من التشرد والبحث عن مأوى بديل.

وأجبرت سلطات الاحتلال، اليوم الجمعة، المقدسيين مرعي جميل عبد الله جعابيص ومحمد عزيز جميل جعابيص على هدم منزليهما ذاتياً في حي الصلعة ببلدة جبل المكبر، في خطوة لم تقتصر تداعياتها على خسارة مبنيين سكنيين، بل امتدت لتطال حياة 14 طفلاً وجدوا أنفسهم فجأة خارج منازلهم، دون مكان ملائم يحتضنهم أو يوفر لهم الحد الأدنى من الاستقرار.

وتبلغ مساحة كل منزل نحو 50 متراً مربعاً، وقد شُيّدا عام 2020، وكان المنزل الأول يؤوي مرعي وزوجته وأطفالهما الثمانية، فيما كان المنزل الثاني يضم محمد وزوجته وأطفالهما الستة. وعلى الرغم من المساحة المحدودة للمنزلين، فإنهما شكّلا المساحة السكنية الوحيدة للعائلتين، ومكاناً لحياتهما اليومية وخصوصية أفرادهما.

14 طفلاً أمام واقع التشرد

ومع تنفيذ قرار الهدم، لم تجد العائلتان خياراً سوى نقل أثاثهما ومقتنياتهما الأساسية إلى مخزن صغير مجاور، اتخذتاه مأوى مؤقتاً في محاولة لتأمين مكان يجمع أفراد الأسرة، إلى حين التمكن من تدبير مسكن بديل.

لكن هذا المخزن لا يوفر مقومات السكن الأساسية، ولا يشكل بديلاً حقيقياً عن المنزل، خصوصاً في ظل انخفاض درجات الحرارة والبرد، ووجود 14 طفلاً يحتاجون إلى ظروف معيشية وصحية وتعليمية مستقرة.

وتبرز المعاناة بصورة أكبر عند النظر إلى طبيعة الحياة التي تنتظر الأطفال داخل هذا المكان الضيق، بعدما فقدوا غرفهم وأسرّتهم ومساحاتهم الخاصة، واضطروا إلى مشاركة ذويهم الإقامة في مساحة لا تتوفر فيها أبسط متطلبات الحياة اليومية.

ولا تقف تداعيات الهدم عند فقدان المأوى، إذ تواجه العائلتان أعباء إضافية تتعلق بتأمين احتياجاتهما الأساسية، والبحث عن مكان جديد للإقامة، فضلاً عن الآثار النفسية والاجتماعية التي تتركها خسارة المنزل، ولا سيما على الأطفال الذين يجدون أنفسهم أمام واقع لم يكن لهم دور في صنعه.

غرامات مالية ثم هدم المنزلين

وتكشف تفاصيل القضية جانباً آخر من الأعباء التي سبقت عملية الهدم، إذ دفعت العائلتان مخالفات مالية بلغت نحو 25 ألف شيقل، قبل أن تضطرا في نهاية المطاف إلى تنفيذ قرارات الهدم بأيديهما.

وتأتي هذه الإجراءات ضمن منظومة من القيود التي تواجه البناء الفلسطيني في القدس المحتلة، حيث يجد المقدسيون أنفسهم أمام مسارات طويلة ومعقدة للحصول على تراخيص البناء، إلى جانب التكاليف المالية المرتفعة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الوحدات السكنية نتيجة النمو الطبيعي للعائلات.

وبين صعوبة الحصول على التراخيص وارتفاع تكاليفها، تتحول المخالفات المالية وقرارات الهدم إلى عبء إضافي على أصحاب المنازل، الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات قاسية، إما تنفيذ الهدم ذاتياً أو تحمل تكاليف أكبر في حال تدخل آليات بلدية الاحتلال لتنفيذ القرار.

الهدم الذاتي.. بين خسارة المنزل وتكاليف الهدم

ولا يمثل الهدم الذاتي مجرد إجراء تنفذه العائلة لإزالة منزلها، بل يعكس واقعاً ضاغطاً يُدفع فيه أصحاب المنازل إلى تنفيذ قرارات الهدم بأنفسهم، لتجنب الأعباء المالية الإضافية التي قد تفرضها سلطات الاحتلال في حال تنفيذ الهدم بواسطة آلياتها.

وفي مثل هذه الحالات، لا يقتصر الضرر على خسارة المبنى ومحتوياته، بل يمتد إلى تحميل العائلة مسؤولية إزالة المكان الذي بنته وعاشت فيه، وسط شعور بالعجز أمام قرار لا تملك القدرة على تغييره.

وتزداد قسوة هذه الإجراءات عندما يتعلق الأمر بمنازل تؤوي عائلات كبيرة وأطفالاً، إذ لا تكون النتيجة مجرد إزالة بناء مخالف وفق ادعاء سلطات الاحتلال، بل فقدان عائلات كاملة لمساحتها السكنية واضطرارها إلى البحث عن مأوى جديد في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة.

جبل المكبر في مواجهة سياسات الهدم

وتأتي عملية هدم المنزلين في حي الصلعة ضمن واقع أوسع تعيشه بلدة جبل المكبر، التي تواجه، كغيرها من مناطق القدس المحتلة، إجراءات متعلقة بالبناء والتراخيص والهدم، تنعكس بصورة مباشرة على الاستقرار السكني والاجتماعي للمواطنين.

وتضع هذه السياسات المقدسيين أمام تحديات متراكمة، تبدأ من صعوبة تأمين مسكن مناسب، ولا تنتهي عند الغرامات والقرارات القضائية والإدارية، وصولاً إلى فقدان المنازل وتشريد العائلات.

كما أن تكرار حالات الهدم الذاتي يترك آثاراً تتجاوز أصحاب المنازل المستهدفة، إذ يعزز حالة القلق لدى العائلات المجاورة، التي تعيش تحت وطأة احتمالات صدور قرارات مماثلة بحق منازلها، وما قد يترتب عليها من خسائر مادية وإنسانية.

ما بعد الهدم.. عائلات تبحث عن مأوى

وبين أنقاض المنزلين، تقف عائلتا جعابيص أمام مرحلة جديدة من المعاناة، بعدما انتقلتا من حياة منزلية مستقرة نسبياً إلى الإقامة المؤقتة داخل مخزن صغير يفتقر إلى مقومات السكن.

فمرعي وزوجته وأطفالهما الثمانية، ومحمد وزوجته وأطفالهما الستة، لم يفقدوا جدراناً وأسقفاً فحسب، بل خسروا المكان الذي جمع تفاصيل حياتهم اليومية، وأصبحوا مضطرين إلى إعادة ترتيب حياتهم من نقطة الصفر، وسط أعباء مالية ومعيشية متزايدة.

وتعيد هذه الواقعة طرح قضية الحق في السكن بوصفها واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المقدسيين، في ظل استمرار قرارات الهدم وفرض القيود على البناء، وما تتركه من نتائج مباشرة على حياة العائلات والأطفال.

وفي المحصلة، لا تختصر حكاية المنزلين في جبل المكبر بعملية هدم جديدة، بل تكشف وجهاً إنسانياً لسياسة يدفع ثمنها أفراد العائلة جميعاً، من أصحاب المنازل إلى الأطفال الذين وجدوا أنفسهم بلا غرف ولا مأوى ملائم. وبينما تبحث العائلتان عن مسكن بديل، تبقى معاناتهما شاهداً على حجم التداعيات التي تتركها قرارات الهدم في حياة المقدسيين، وعلى الثمن الإنساني الذي تتحمله الأسر عندما يتحول المنزل من مساحة للأمان والاستقرار إلى هدف لقرار بالهدم.

أقرأ ايضا