2026-09-26 10:06
رام الله – البعد الرابع (4dpal)
لا تحتاج الضفة الغربية إلى إغلاق شامل كي تتغير حياة سكانها؛ يكفي حاجز يُغلق عند مدخل قرية، وطريق زراعي يُمنع الوصول إليه، وبؤرة استيطانية تتمدد قرب المنازل، واعتداء يجعل المزارع يخشى الوصول إلى أرضه، حتى تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى سلسلة من القيود التي تمتد من الطريق إلى المدرسة، ومن الحقل إلى المستشفى، ومن العمل إلى مصادر المياه.
وخلال عام 2026، لم تعد القيود المفروضة على الحركة واعتداءات المستوطنين أحداثًا منفصلة في عدد من المناطق، بل باتت تؤثر بصورة تراكمية في قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم والخدمات الأساسية؛ ووفق أحدث معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، جرى توثيق أكثر من 1,600 اعتداء للمستوطنين منذ بداية العام وحتى 14 أيلول/سبتمبر، بمعدل 6.7 اعتداء يوميًا، وطالت هذه الاعتداءات 275 تجمعًا فلسطينيًا.
في عدد من القرى والبلدات، لم تعد المسافة الجغرافية هي المقياس الحقيقي للوصول؛ إغلاق بوابة أو حاجز قد يحوّل طريقًا يستغرق دقائق إلى رحلة طويلة عبر طرق بديلة، وقد يعني في بعض الحالات تعذر الوصول إلى مكان العمل أو المدرسة أو الخدمات الصحية.
وفي أم صفا شمال رام الله، لا تزال البوابات التي تغلق مدخلي القرية الرئيسيين قائمة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفق الأمم المتحدة، ما أجبر السكان على استخدام طرق أطول للوصول إلى الخدمات ومصادر العمل؛ وقبل الإغلاق، كان مدخلا القرية يشكلان نقطة عبور لنحو 15 ألف شخص من القرى المحيطة للوصول إلى الطريق الرئيسي.
وفي قصرة جنوب نابلس، تواجه ثلاث عائلات في منطقة رأس العين قيودًا مشددة على الوصول منذ آب/أغسطس الماضي، فيما حالت القيود منذ بدء العام الدراسي دون تمكن معلم وطفل يبلغ خمس سنوات من الوصول بصورة منتظمة إلى مكان العمل وروضة الأطفال.
لا تتوقف آثار القيود عند تعطيل حركة الأفراد. ففي دير أبو ضعيف بمحافظة جنين، أدت عملية عسكرية استمرت 14 ساعة في أيلول/سبتمبر إلى تعطيل اليوم الدراسي لنحو 2,500 طالب وطالبة في خمس مدارس، إضافة إلى تعطيل الوصول إلى منشآت البلدية.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 846 ألف طالب بدأوا العام الدراسي الجديد في الضفة الغربية، في وقت لا تزال فيه العملية التعليمية متأثرة بقيود الوصول، فيما تواجه مدارس وطلاب في بعض المناطق صعوبات مباشرة بسبب العمليات العسكرية والقيود المفروضة على الحركة.
ويظهر أثر التصعيد بصورة أكثر وضوحًا في الأراضي الزراعية، حيث يتقاطع منع الوصول مع اعتداءات المستوطنين وتوسع البؤر الاستيطانية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الاعتداءات خلال العام الحالي طالت الأراضي الزراعية والمحاصيل والأشجار وشبكات الري ومرافق تربية المواشي، كما شملت أضرارًا في شبكات المياه والكهرباء. وفي بعض المناطق، أدى تكرار هذه الاعتداءات والقيود على الوصول إلى تقليص قدرة العائلات على الوصول المنتظم إلى أراضيها ومصادر رزقها.
وتزداد المخاوف مع اقتراب موسم قطف الزيتون. ففي موسم 2025، وثق مكتب الأمم المتحدة 185 اعتداء للمستوطنين خلال الفترة بين الأول من تشرين الأول/أكتوبر و30 تشرين الثاني/نوفمبر، طالت 70 تجمعًا، وأدت إلى إتلاف أكثر من 6,000 شجرة وشتلة.
لم يعد أثر الاعتداءات مقتصرًا على الأراضي والممتلكات. فقد وثقت الأمم المتحدة أضرارًا طالت شبكات المياه في عدد من التجمعات، ما أدى في بعض الحالات إلى انقطاع المياه عن منازل أو أراضٍ زراعية.
وفي أم صفا، أدى تضرر خط المياه الرئيسي في حزيران/يونيو إلى انقطاع المياه لمدة أربعة أيام، فيما تعتمد بعض التجمعات الأخرى على صهاريج المياه في ظل صعوبة الوصول إلى شبكات المياه أو تعرض بنيتها التحتية للأضرار.
الأثر الأكثر عمقًا لا يظهر بالضرورة في لحظة الاعتداء نفسها، وإنما في ما يتراكم بعدها: عائلة تتردد في الوصول إلى أرضها، طالب يحتاج إلى طريق أطول للوصول إلى مدرسته، مريض يواجه صعوبة في الوصول إلى مركز صحي، ومزارع يخشى موسم الحصاد.
وتقول الأمم المتحدة إن الاعتداءات المتكررة والقيود المرتبطة بها تخلق آثارًا إنسانية تراكمية تشمل العزلة المطولة وتراجع القدرة على الوصول إلى المنازل والأراضي الزراعية والخدمات الأساسية. كما وثقت منذ بداية 2026 تهجير نحو 3,800 فلسطيني نتيجة عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء.
المشهد، وفق هذه المعطيات، لا يتمثل في حاجز واحد أو اقتحام واحد أو اعتداء منفصل، وإنما في مجموعة إجراءات وأحداث تتقاطع آثارها على حياة السكان اليومية.
ففي قرية قد يكون المدخل مغلقًا، وفي أخرى تصبح الأرض الزراعية أصعب وصولًا، وفي ثالثة يتوقف خط المياه، بينما تواجه عائلة في منطقة أخرى صعوبة في الوصول إلى المدرسة أو مكان العمل.
وهكذا لا تُغلق الضفة الغربية دفعة واحدة، بل تتغير إمكانية الحركة والعمل والزراعة والتعليم والوصول إلى الخدمات تدريجيًا، منطقة بعد أخرى، حتى تصبح القيود جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
