أخبار

الشباب الفلسطيني بين الحلم والهجرة

Case

2026-10-09 08:06

Copy Link

فلسطين – البعد الرابع (4dPAL)

بين شهادة جامعية ينتظر صاحبها فرصة عمل، ومشروع صغير يحتاج إلى رأس مال، وحلم بتأسيس أسرة وحياة مستقرة، يقف كثير من الشباب الفلسطيني أمام أسئلة صعبة عن المستقبل؛ فسنوات الدراسة لا تضمن وظيفة، والطموح وحده لا يكفي لتجاوز الأعباء الاقتصادية، فيما تدفع الظروف المعيشية والسياسية بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة بحثًا عن فرص أوسع وحياة أكثر استقرارًا.

ولا يمكن اختزال واقع الشباب الفلسطيني في البطالة أو الرغبة في المغادرة؛ فهناك من يتمسك بالبقاء، ومن يبحث عن فرصة للعمل خارج البلاد، ومن يحاول بناء مساره المهني عبر العمل الحر والمشروعات الصغيرة. لكن القاسم المشترك بين كثير من هذه التجارب هو البحث عن فرصة حقيقية لتحويل الطموح إلى واقع.

شهادة جامعية.. وفرصة عمل غائبة

يمثل الانتقال من التعليم إلى سوق العمل واحدة من أبرز العقبات أمام الشباب. فبعد سنوات من الدراسة والتدريب، يجد بعض الخريجين أنفسهم أمام خيارات محدودة، أو وظائف لا تتناسب مع تخصصاتهم، أو أعمال لا توفر دخلًا مستقرًا.

وتكشف بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن حجم هذه المشكلة. ففي الربع الرابع من عام 2025، بلغت البطالة بين الخريجين الشباب في الضفة الغربية، الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و29 عامًا ويحملون دبلومًا متوسطًا أو مؤهلًا أعلى، نحو 37.5%. وبلغ المعدل 28.3% بين الذكور، مقابل 44.5% بين الإناث.

وتوضح هذه الأرقام أن الحصول على مؤهل علمي لا يعني بالضرورة الوصول إلى وظيفة، كما تكشف عن فجوة بين الشباب والشابات في فرص العمل.

وتتجاوز المشكلة غياب الوظيفة الأولى؛ فالتأخر في الحصول على دخل منتظم قد يؤجل الاستقلال عن الأسرة، ويصعّب تحمل تكاليف السكن والزواج، ويحد من قدرة الشباب على الادخار أو الاستثمار في تطوير مهاراتهم.

الهجرة.. بحث عن فرصة أم ابتعاد عن الوطن؟

أمام محدودية الخيارات، تصبح الهجرة فكرة حاضرة في أحاديث بعض الشباب وعائلاتهم. وقد يرتبط التفكير في المغادرة بالرغبة في استكمال التعليم، أو الحصول على وظيفة أفضل، أو اكتساب خبرة مهنية، أو تأمين مستقبل اقتصادي أكثر استقرارًا.

وأظهر مسح قضايا الشباب الفلسطيني لعام 2023، الذي نُشرت نتائجه ضمن تقرير عن واقع الشباب بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، أن نحو 26.9% من الشباب الذين شملهم المسح أبدوا رغبة في الهجرة إلى الخارج. وبلغت النسبة 14.6% في الضفة الغربية، مقابل 45.3% في قطاع غزة. 

وتعكس هذه النتائج اختلاف الظروف بين المناطق الفلسطينية، ولا تعني أن كل من عبّر عن رغبته في الهجرة اتخذ قرارًا فعليًا بالمغادرة. كما أن الرغبة في السفر لا تعني بالضرورة التخلي عن الارتباط بالوطن؛ فقد يرى بعض الشباب في الهجرة وسيلة لاكتساب الخبرة أو تحسين أوضاع الأسرة، بينما يفضّل آخرون البقاء إذا توفرت لهم فرص عمل وحياة مستقرة.

لكن الهجرة قد تحمل في المقابل كلفة اجتماعية وإنسانية، من بينها الابتعاد عن الأسرة، والبدء من جديد في بيئة مختلفة، ومواجهة صعوبات الإقامة والعمل والاندماج. ولهذا، لا يمكن النظر إليها باعتبارها حلًا سهلًا أو خيارًا متاحًا للجميع.

الشباب والضغط الاقتصادي اليومي

لا تبدأ التحديات عند البحث عن وظيفة، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فتكاليف المواصلات والاتصالات والسكن والتعليم، إلى جانب الالتزامات العائلية، تجعل الحصول على دخل ثابت ضرورة أساسية وليست مجرد خطوة نحو الرفاهية.

وفي ظل عدم استقرار الأوضاع الاقتصادية، قد يضطر بعض الشباب إلى قبول أعمال مؤقتة أو غير مرتبطة بتخصصاتهم، فيما يحاول آخرون تطوير مهاراتهم أو العمل عبر الإنترنت بحثًا عن مصادر دخل بديلة.

غير أن العمل الرقمي والمشروعات الصغيرة لا يشكلان حلًا مضمونًا للجميع؛ إذ يحتاج النجاح فيهما إلى التدريب والتمويل والوصول إلى الأسواق، فضلًا عن توفر البنية التحتية والقدرة على الاستمرار. كما أن المبادرات الفردية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها تعويض النقص الواسع في فرص العمل المستقرة.

الشابات أمام تحديات إضافية

تواجه الشابات الفلسطينيات تحديات مرتبطة بفرص التوظيف والمشاركة الاقتصادية، وهو ما يظهر في الفجوة بين معدلات البطالة لدى الخريجين والخريجات.

ولا تتعلق المسألة بالمؤهلات وحدها، بل تتداخل معها طبيعة الوظائف المتاحة، وظروف العمل، وإمكانية الوصول إلى فرص مناسبة، إلى جانب المسؤوليات الأسرية والاجتماعية التي قد تؤثر في قدرة بعض النساء على دخول سوق العمل والاستمرار فيه.

ويعني ذلك أن معالجة بطالة الشباب تحتاج إلى سياسات تراعي اختلاف الظروف والاحتياجات، وتوسّع فرص العمل اللائق أمام النساء والرجال على حد سواء.

بين البقاء والرحيل.. ماذا يحتاج الشباب؟

لا يمكن مطالبة الشباب بالتمسك بأحلامهم من دون توفير بيئة تساعدهم على تحقيقها. فالرغبة في البقاء تحتاج إلى أكثر من الخطاب المعنوي؛ تحتاج إلى فرص عمل حقيقية، وتعليم يرتبط باحتياجات السوق، وتدريب مهني قابل للتطبيق، وتمويل متاح للمشروعات الناشئة، وبيئة اقتصادية تسمح للأفكار الجديدة بالنمو.

كما يتطلب الأمر تعزيز مشاركة الشباب في صنع القرارات التي تمس حياتهم، والاستماع إلى احتياجاتهم عند وضع السياسات العامة، بدل التعامل معهم بوصفهم فئة تنتظر الحلول فقط.

وتبرز أهمية دعم المبادرات الشبابية والتعاون بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والجهات المعنية بالتشغيل، إلى جانب توسيع فرص التدريب واكتساب المهارات الرقمية والمهنية. لكن فاعلية هذه الجهود تبقى مرتبطة بقدرتها على توفير فرص مستدامة، لا مجرد برامج قصيرة الأجل.

مستقبل الشباب جزء من مستقبل فلسطين

إن الحديث عن الشباب الفلسطيني ليس حديثًا عن فئة عمرية فحسب، بل عن مستقبل المجتمع وقدرته على التطور والإبداع. فعندما يعجز الشاب عن إيجاد فرصة تناسب تعليمه وقدراته، لا تكون الخسارة فردية فقط، بل تمتد إلى الأسرة والاقتصاد والمجتمع بأكمله.

وبين من يختار البقاء، ومن يفكر في الهجرة، ومن يحاول شق طريقه وسط الصعوبات، تتشابه الحاجة إلى حياة كريمة وفرصة عادلة لبناء المستقبل.

ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل طاقات الشباب الفلسطيني من الانتظار والبحث عن الفرص إلى المشاركة الفعلية في بناء اقتصاد يوفر لهم الأمل والاستقرار؟

فالشباب لا يحتاجون إلى أن يُطلب منهم الحلم فقط؛ بل يحتاجون إلى واقع يمنح أحلامهم فرصة للحياة.

أقرأ ايضا