2026-09-05 07:13
لم يعد الوصول من قرية فلسطينية إلى مدينة قريبة مسألة تُقاس بعدد الكيلومترات فقط؛ ففي الضفة الغربية، قد يتحول طريق لا يتجاوز عشرات الدقائق إلى رحلة تستنزف ساعات من يوم المواطن، بفعل الحواجز والبوابات والإغلاقات التي تدفع المركبات إلى سلوك طرق التفافية أطول وأكثر كلفة.
هذه المعادلة لا تظهر دائمًا في عناوين الأخبار، لكنها أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ فالموظف يغادر منزله أبكر، والطالب يعيد حساب وقت وصوله إلى الجامعة، والمريض قد يضطر إلى تغيير وسيلة نقله، فيما يدفع سائقو المركبات تكلفة إضافية للوقود والمسافة.
دراسة حديثة لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس» رصدت أثر الحواجز وعوائق الحركة في شمال ووسط الضفة الغربية، وأظهرت أن حركة النقل بين المناطق التي شملتها الدراسة انخفضت بنسبة 51.7% بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ووفق الدراسة، تراوح وقت الانتظار في عينة من الحواجز العسكرية بين 15 و50 دقيقة، فيما قُدرت ساعات العمل التي يفقدها الفلسطينيون يوميًا بسبب الانتظار بنحو 191 ألف ساعة، بتكلفة تقدر بحوالي 764.6 ألف دولار يوميًا، أي نحو 16.8 مليون دولار شهريًا. كما أضافت الطرق الالتفافية نحو 19.2 ألف دولار يوميًا إلى فاتورة الوقود.
وبذلك لا تتوقف كلفة الحاجز عند لحظة الانتظار؛ فالوقت المفقود يتحول إلى خسارة اقتصادية، والطريق الأطول يتحول إلى وقود إضافي، بينما تمتد الآثار إلى قدرة الناس على الوصول إلى العمل والتعليم والأسواق والخدمات الصحية.
في مناطق عدة من الضفة، دفعت الإغلاقات السكان إلى إعادة رسم طرقهم اليومية؛ ففي مخيم العروب شمال الخليل، تحدث سكان عن اضطرارهم إلى مغادرة منازلهم قبل موعدهم بوقت طويل بسبب إغلاق مداخل رئيسية، بعدما كان الطريق الذي يستغرق نحو 15 دقيقة يحتاج إلى مغادرة مبكرة قد تصل إلى ساعة.
وفي غرب رام الله، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية حالات اضطرت فيها تجمعات سكانية إلى الاعتماد على طرق التفافية أطول بكثير للوصول إلى المدينة، ما أثر في الوصول إلى العمل والمدارس والأسواق والخدمات الطبية؛ وفي إحدى الحالات، اضطر سكان المنطقة إلى استخدام طريق زادت المسافة عبره إلى رام الله من نحو 18 كيلومترًا إلى قرابة 38 كيلومترًا.
الأثر لا يظهر فقط في الأرقام الكبيرة. فالمواطن الذي يضيف ساعة إلى رحلة عمله اليومية يدفع ثمنها من وقته، ومن راحته، وأحيانًا من دخله؛ وسائق سيارة الأجرة أو المركبة التجارية الذي يضطر إلى قطع مسافة أطول يستهلك وقودًا أكثر، فيما قد تنتقل هذه الزيادة في التكلفة لاحقًا إلى أسعار النقل والبضائع.
وهكذا، تتحول القيود على الحركة من مشكلة مرورية مؤقتة إلى عامل اقتصادي واجتماعي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية: موعد مغادرة المنزل، اختيار مكان العمل، الوصول إلى الجامعة، زيارة الطبيب وحتى قرار شراء سلعة من مدينة أخرى.
ما تكشفه هذه المعطيات أن المشكلة ليست فقط في وجود حاجز أو بوابة في نقطة محددة، وإنما في الطريقة التي تعيد بها القيود المفروضة على الحركة تشكيل شبكة التنقل بأكملها.
فالطريق الأقصر على الخريطة ليس بالضرورة الطريق الأسرع على الأرض، والمدينة الأقرب جغرافيًا قد تصبح أبعد اقتصاديًا وزمنيًا، بينما تتحول الطرق الالتفافية من حل مؤقت إلى جزء ثابت من الحياة اليومية.
وفي بلدات وقرى كثيرة، لم يعد السؤال "كم تبعد وجهتي؟"، بل "كم سيستغرق الوصول إليها اليوم؟".
