2026-09-05 08:06
في المغير، شرق رام الله، لا يبدأ الخوف دائمًا بصوت إطلاق نار، ولا يحتاج إلى اقتحام منزل كي يصبح حاضرًا؛ أحيانًا يكفي أن يحلّ الليل، وأن يعرف أهل البيت أن الطريق أمامهم يمر من منطقة مفتوحة للمستوطنين، حتى تبدأ حسابات أخرى لا تشبه حسابات بقية الناس: هل الطريق سالك؟ هل يوجد مستوطنون في مرج سيع؟ هل المدخل مفتوح؟ هل يمكن الخروج من القرية والعودة إليها قبل أن يتغير الوضع؟ وهل سيبقى البيت هادئًا حتى الصباح؟
في منزل ملاك أبو عليا، لم يعد الليل يعني النوم بالضرورة؛ وهي شابة من المغير ، تقول : " إن عائلتها اعتادت البقاء مستيقظة، ليس انتظارًا لشيء محدد، وإنما لأن احتمال حدوثه أصبح كافيًا لإبقاء الجميع في حالة ترقب"، قبل أيام، تقول ملاك، جرى تفجير جسم مشبوه قرب منزلهم عند الثالثة فجرًا، بينما كانت العائلة مستيقظة أصلًا.
"بنضل صاحيين والله، فش بينا وبينه إشي، المستوطن في أي لحظة بنزل"
منزل العائلة ليس بعيدًا عن مصادر الخطر، بحسب وصفها؛ بل يقع في منطقة تجعلهم يرون المستوطنين ويسمعونهم، وتقول إنهم يستيقظون أحيانًا على وجودهم في الأراضي المحيطة، حتى مع أغنامهم؛ بالنسبة إلى ملاك، لم يعد الأمر مجرد أخبار تسمعها من بعيد، وإنما شيء يحدث أمام البيت وفي محيطه.
وتقول إن منزل عائلتها تعرض للحرق قبل نحو عامين، وإن وجود المستوطنين حول المنطقة لم يتوقف منذ ذلك الحين، وتصف موقع بيتها بأنه "أول دار بوجه المدفع"، في تعبير يلخص طبيعة المكان الذي تعيش فيه العائلة؛ منزل فلسطيني يقع في نقطة مكشوفة، حيث لا تبدو المسافة بين الحياة اليومية والخطر كبيرة.
لكن ما يجعل قصة المغير مختلفة أن الخطر لا يقتصر على البيوت. فبالنسبة إلى سكان القرية، الطريق نفسه أصبح جزءًا من المشكلة.
تعمل ملاك في بلدة ترمسعيا، التي لا تبعد عن المغير سوى دقائق قليلة، قبل أن تتغير الظروف، كان الطريق إلى عملها لا يحتاج أكثر من خمس دقائق تقريبًا، لكن هذه المسافة القصيرة لم تعد تعني الشيء نفسه.
"شغلي بترمسعيا إلي فترة ما بروح، وهي ترمسعيا خمس دقايق صارت توخذ يوم بطوله"، تقول.
في الطريق، تقع منطقة مرج سيع، الممتدة بين المغير وأبو فلاح، وهي المنطقة التي شهدت خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة من الاعتداءات على الفلسطينيين ومركباتهم؛ ففي 20 أغسطس/آب، أصيب خمسة فلسطينيين في هجوم على مركبة في سهل مرج سيع، بعدما اعترض مستوطنون المركبة وهاجموها، ما أدى إلى انقلابها والاعتداء على ركابها؛ وفي حادثة أخرى خلال الأيام الأخيرة، أصيب فلسطينيون بعد هجوم على مركبة في المنطقة، كما أصيب مسعف أثناء محاولته الوصول إلى المصابين.
بالنسبة لملاك، هذه الأخبار لا تُقرأ من شاشة الهاتف كما يقرأها الآخرون؛ فهي تتحدث عن الطريق الذي تسلكه، والمكان الذي تمر منه، والمنطقة التي يمكن أن تجد فيها نفسها فجأة أمام مجموعة من المستوطنين.
وتقول أبو عليا لِـ " البعد الرابع": " إن الخروج من القرية لا يرتبط فقط بالمستوطنين، إذ يوجد الجيش عند المدخل، بينما تتغير إمكانية المرور وفقًا لما يحدث على الأرض؛ وتصف الوضع بأنه "حسب حظك".
وهكذا، لا تصبح المسافة بين المغير وترمسعيا مجرد خمسة كيلومترات أو خمس دقائق؛ تتحول إلى مساحة مليئة بالاحتمالات.
قبل نحو عامين، تعرض منزل ملاك للحرق، بحسب روايتها ومنذ ذلك الوقت، لم يعد البيت بالنسبة إلى العائلة مجرد مكان للعيش، وإنما موقع يحتاج إلى مراقبة مستمرة.
تقول إن المستوطنين يظهرون في المنطقة المحيطة بالمنزل، وإن العائلة اعتادت رؤيتهم قرب الأراضي والبيوت، وفي بعض الصباحات، يكون أول ما يراه أهل البيت وجودهم وهم يرعون أغنامهم بالقرب منهم.
وهذه ليست حالة معزولة في المغير؛ فقد وثقت وكالات فلسطينية في يونيو/حزيران دخول مجموعات من المستوطنين إلى محيط منازل في الجهة الشرقية من القرية برفقة ماشيتهم، تحت حماية القوات الإسرائيلية، ما أثار توترًا بين السكان.
وتشير تقارير حديثة إلى أن المنطقة المحيطة بالمغير شهدت تصاعدًا لافتًا في اعتداءات المستوطنين، بما في ذلك استهداف المركبات والأراضي والمنازل.
وفي بداية سبتمبر/أيلول، استشهد شابان فلسطينيان، يبلغان 16 و19 عامًا، خلال هجوم في المغير شارك فيه مستوطنون وقوات إسرائيلية، في حادثة أعادت القرية إلى واجهة التصعيد في الضفة الغربية.
ولذلك، حين تقول ملاك إن عائلتها تبقى مستيقظة، لا تبدو الجملة بالنسبة إليها وصفًا مبالغًا فيه لحالة طارئة؛ إنها تصف نمط حياة تشكل تدريجيًا تحت ضغط الأحداث المتكررة.
من أكثر الحوادث التي بقيت في ذاكرة ملاك ما تقول إنه وقع لها ولعدد من الفتيات أثناء وجودهن في السيارة في منطقة مرج سيع.
تروي أن أحد المستوطنين كان يصور تحركاتها، وأنه صادفها وهي برفقة فتيات في السيارة، قبل أن تتعرض المركبة لهجوم من المستوطنين، وتضيف بأن السيارة تعرضت للتحطيم، قبل وصول شبان من المنطقة ساهموا في إنقاذهن.
وتضيف أن طائرة مسيّرة كانت فوق السيارة أثناء الحادثة، ثم وصلت القوات الإسرائيلية إلى منزل العائلة لاحقًا، واعتقلت زوجها باعتباره صاحب السيارة، حيث تعرض زوجها تعرض للضرب لساعات على يد المستوطن الذي قدم شكوى ضده، قبل أن تتدخل القوات.
منذ ذلك الحين، تغيرت علاقة ملاك بالطريق أكثر؛ لم يعد الذهاب إلى العمل بالنسبة إليها مجرد انتقال من قرية إلى بلدة قريبة، وإنما مخاطرة يومية يجب وزنها أمام العمل والراتب والحياة العائلية.
ربما واحدة من أكثر التفاصيل دلالة في قصة ملاك ليست ما حدث لها أثناء الاعتداء، وإنما ما قررت فعله بعده.
بدل أن تنتقل من بيتها إلى مكان عملها، قررت أن تنقل عملها باتجاه البيت.
قد يبدو القرار صغيرًا، لكنه في الحقيقة يعكس كيف يمكن للقيود على الحركة والخوف من الطريق أن يعيدا تشكيل حياة الفرد نفسها، وظيفة كانت في بلدة لا تبعد سوى دقائق، أصبحت سببًا للتفكير في تغيير مكان العمل بالكامل.
تقول ملاك إنها كان بإمكانها أيضًا أن تفكر في خيار آخر: مغادرة البيت والعيش في مكان أكثر أمانًا، خصوصًا مع وجود أطفال ومسؤوليات عائلية.
لكنها اختارت العكس، " المفروض أزّم حالي وأولادي وأروح وأريح راسي"، ثم تضيف:"اخترت أسكر شغلي وأنقل على البلد"
في قرارها، لا ترى ملاك نفسها فقط؛ فهي تعتقد أن مغادرة العائلات التي تعيش في المناطق الأكثر تعرضًا للخطر قد تترك فراغًا أكبر، ولذلك تعتبر البقاء جزءًا من حماية المكان، مؤكدة في قولها : " إحنا الوحيدين اللي بزبطش نعمل هيك، إذا دشرنا وطلعنا رح يكملوا على البلد".
خلال الأيام والأسابيع الأخيرة، ظهرت المغير في الأخبار أكثر من مرة: إغلاق للمدخل، اعتداءات للمستوطنين، إصابات، عمليات عسكرية، شهداء، وفي كل مرة، يظهر اسم القرية في عنوان جديد، ثم ينتقل الخبر إلى عنوان آخر، لكن خلف العنوان، هناك قرية كاملة تضطر إلى إعادة ترتيب تفاصيلها.
المدخل الذي يُغلق يعني أن الذهاب إلى العمل يحتاج إلى حساب جديد. والطريق الذي يصبح خطرًا يعني أن بعض الناس قد يتوقفون عن استخدامه. ووجود المستوطنين بالقرب من المنازل يعني أن الليل لا يعود مجرد وقت للنوم؛ أما الاعتداء السابق، فيظل حاضرًا في ذاكرة من عاشه حتى بعد انتهائه.
في 2 سبتمبر/أيلول، استشهد شابان من المغير خلال حادثة وصفت بأنها هجوم شنه مستوطنون وقوات إسرائيلية، وهو ما أعاد تسليط الضوء على القرية وعلى مستوى العنف الذي تشهده المنطقة.
وقال الجيش الإسرائيلي، إن قواته تدخلت خلال ما وصفه بـ " اضطراب عنيف"، بينما قالت مصادر فلسطينية إن الشابين قُتلا بالرصاص.
وبعد يومين فقط، شهدت منطقة مرج سيع هجومًا على مركبة فلسطينية، أدى إلى انقلابها وإصابة عدد من ركابها، كما تعرضت مركبة إسعاف للاعتداء أثناء محاولتها الوصول إلى المصابين.
هكذا تتراكم الأحداث بسرعة، حتى يصبح من الصعب على سكان المكان فصل "الحادثة الجديدة" عن سلسلة طويلة سبقتها.
تقول ملاك إنها في السابق كانت تخاف؛ أما اليوم لا؛ لكن ما تقوله بعد ذلك يكشف أن الخوف لم يختفِ تمامًا، وإنما ربما تغيرت طريقته.
هي تحفظ وجوه بعض المستوطنين، وتعرف أسماءهم، وتراقب تحركاتهم، وتعرف متى يكون وجودهم قرب البيت طبيعيًا ومتى يمكن أن يتحول إلى خطر؛ وتقول إن شباب القرية يهبّون عندما يحتاج الأمر، وإن وجودهم بالقرب من البيوت يمنح العائلات شعورًا بأنها ليست وحدها.
في نهاية الحديث، تبدو إجابات ملاك أقل ارتباطًا بالحادثة نفسها وأكثر ارتباطًا بالسؤال الأكبر: ماذا يعني أن يبقى الإنسان في مكان يشعر فيه أن وجوده بات يحتاج إلى مقاومة يومية؟
هي لا تنكر إمكانية الرحيل، ولا تقول إن الحياة سهلة، بل تعترف بأن بإمكانها اختيار حياة أكثر هدوءًا، ونقل عائلتها إلى مكان آخر، وترك المنزل الذي أصبح على تماس مباشر مع الخطرلكنها لا تريد ذلك، مؤكدة بقولها : " طالما أهل البلد لاقيهم جنبي وحاميهم وحاميني، ليش أطلع؟".
الجملة تختصر شيئًا يتجاوز تجربة فرد واحد؛ فالقرية التي تظهر في الأخبار بوصفها موقعًا للاعتداء أو الإغلاق، تظهر من الداخل بصورة مختلفة: بيوت لها أصحاب، طرق لها ذكريات، أعمال يحاول الناس الحفاظ عليها، وأرض يخشى أهلها أن يؤدي غيابهم عنها إلى تغيير واقعها.
في المغير، لا يتعامل الناس مع الطريق باعتباره مجرد طريق، ولا مع البيت باعتباره مجرد بيت.
الطريق قد يقرر إن كان يوم العمل سيبدأ أم لا، والبيت قد يتحول إلى نقطة مراقبة، والخروج قد يصبح قرارًا يحتاج إلى شجاعة، والبقاء نفسه قد يتحول إلى موقف، ومع كل ذلك، تستمر الحياة.
يذهب الأطفال إلى مدارسهم، ويحاول الناس الوصول إلى أعمالهم، وتُفتح أبواب البيوت في الصباح، ويجلس الأهالي مساءً، بينما يبقى في الخلفية سؤال لا يملك أحد إجابة ثابتة عنه: ماذا سيحدث الليلة؟
ربما لهذا تحديدًا تقول ملاك إن طريق مرج سيع أصبح "مثل المقامرة على الروح"؛ لأن المسافة التي يفترض أن تقاس بالدقائق، أصبحت في المغير تُقاس باحتمال العودة.
